قال السهيلي وغيره من العلماء: ظهر قوله: { لا تحزن إن الله معنا } في أبي بكر في اللفظ كما ظهر في المعنى فكانوا يقولون: محمد رسول الله وأبو بكر خليفة رسول الله ثم انقطع هذا الاتصال اللفظي بموته فلم يقولوا لمن بعده خليفة رسول الله
وأيضا فعلي بن أبي طالب تعلم من أبي بكر بعض السنة بخلاف أبي بكر فإنه لم يتعلم من علي بن أبي طالب كما في الحديث المشهور الذي في السنن: حديث صلاة التوبة عن علي قال: كنت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه و سلم حديثا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ ما من مسلم يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويحسن الوضوء ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له ]
ومما يبين لك هذا أن أئمة علماء الكوفة الذين صحبوا عمر وعليا: كعلقمة والأسود وشريح القاضي وغيرهم كانوا يرجحون قول عمر على قول علي
وأما تابعوا أهل المدينة ومكة والبصرة فهذا عندهم أظهر وأشهر من أن يذكر وإنما الكوفة ظهر فيها فقه علي وعلمه بحسب مقامه فيها مدة خلافته وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه علي أبي بكر وعمر لا في فقه ولا علم ولا غيرهما بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر طائفة غلت فيها كالتي ادعت فيه الإلهية وهولاء حرقهم علي بالنار وطائفة كانت تسب أبا بكر وكان رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ عليا ذلك طلب قتله فهرب وطائفة كانت تفصله على أبي بكر وعمر قال: لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري
وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجها وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من رواية رجال همدان خاصة التي يقول فيها علي:
( ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان أدخلي بسلام )
من رواية سفيان الثوري عن منذر الثوري وكلاهما من همدان رواه البخاري عن محمد بن كثير قال: ثنا سفيان الثوري ثنا جامع بن شداد ثنا أبو يعلى بن منذر الثوري عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: يا بني أو ما تعرف ؟ فقلت: لا فقال: أبو بكر قلت: ثم من ؟ قال: ثم عمر وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه ولخاصته ويتقدم بعقوبة من يفضله عليهما والمتواضع لا يجوز له أن يتقدم بعقوبة كل من قال الحق ولا يجوز أن يسميه مفتريا ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه
قال تعالى: { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون }
والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير
وأما قوله: أقضاكم علي فلم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد المشهورة لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف وإنما يروي من طريق من هو معروف بالكذب ولكن قال عمر بن الخطاب أبي أقرؤنا وعلي أقضانا وهذا قاله بعد موت أبي بكر
والذي في الترمذي وغيره: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ] وليس فيه ذكر علي
والحديث الذي فيه ذكر علي مع ضعفه فيه أن معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض فلو قدر صحة هذا الحديث لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علما من الأعلم بالقضاء لأن الذي يختص بالقضاء إنما هو فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون الباطل بخلافه
كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ]
فقد أخبر سيد القضاة أن قضاءه لا يحل الحرام بل يحرم على المسلم أن يأخذ بقضائه ما قضى له به من حق الغير وعلم الحلال والحرام يتناول الظاهر والباطن فكان الأعلم به أعلم بالدين