فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51997 من 346740

فصل

مما يخالف الجوهر فيه حكم الآلة قبول الاعراض وصحة الإتصاف بالحوادث والرب سبحانه وتعالى متقدس عن قبول الحوادث قال وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الإله تعالى عن قولهم ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث قال وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها فقالوا القول الحادث يقوم بذات الرب سبحانه وتعالى وهو غير قائل به وإنما هو قائل بالقابلية وحقيقة أصولهم أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد وكذلك وصفوه بكونه تعالى خالقا في الأزل فلم يتحاشوا من قيام الحوادث به وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكرا وقولا قال والدليل على بطلان ما قالوه أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأغراض وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها ذلك إلى الحكم بحدوث الصانع

قال ولا يستقيم هذا الدليل على أصول المعتزلة مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجوهر عن الأعراض على تفصيل لهم أشرنا إليه وإثباتهم أحكاما متجددة لذات الرب تعالى من الإرادات الحادثة القائمة لا بمحال على زعمهم وبصدهم أيضا عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام الذات من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأغراض على الذات قال وتقول الكرامية مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الرب به تناقض إذ لو جاز قيام معنى بمحل غائب من غير أن يتصف المحل بحكمه لجاز شاهدا قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام مركبة على المعاني وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى الجهالات ثم نقول لهم إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته فما المانع من تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث ومما يلزمهم تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثتين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا منه فصلا ونقول أيضا إذا وصفتم الباري تعالى بكونه متحيزا وكل متحيز وحجم جرم فلا يتقرر في المعقول خلو الأجرام عن الأكوان فما المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه

قلت هذه جملة كلامه في هذه المسألة بألفاظه ومدلوله على ثلاثة أشياء:

أحدها: إنه لو قبلها لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث والثاني: إنه لو قبلها لاتصف بها والثالث: أنه إذا قبل بعضها فيجب أن يقبل غيره

وهم لا يقولون به وهاتان الحجتان الثانيتان جدليتان فإن كونه متصفا بالأفعال التي تقوم به أو غير متصف إلا بالصفات اللازمة له نزاع لفظي وكذلك كون المنازع جوز قيام البعض فإنه إما أن يبين فرقا بين الممنوع والمجوز أو لا يبين فرقا فإن بين فرقا ثبت الفرق وإن لم يبين فرقا فقد يكون عجزا منه وإن قدر أنه لا فرق في نفس الأمر فيلزم أحد الأمرين لا بعينه إما جواز الجميع وإما المنع من الجميع وذلك لا يقتضي ثبوت أحدهما وهو الامتناع إلا بدليل وهو بدليل وهو لم يذكر دليلا على ذلك فلم يذكر في المسألة حجة إلا ما ذكره من قوله لو قبلها لم يخل منها وهذه حجة أحال فيها على ما ذكره قبل ذلك فإنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض وهذا الذي أحال عليه هو ما ذكره في مسألة حدوث الأجسام فإنه ذكر الطريقة المشهورة الكلامية المبينة على أربعة أصول قال وأما الأصل الثالث فهو يبين استحالة تعري الجواهر عن الأعراض فالذي صار إليه أهل الحق أن الجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده إن كانت له أضداد فإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن أحد الضدين فإن قدر عرض لا ضد له لم يخل الجوهر عن قبول ةاحد من جنسه قال وجوزت الملحدة خلو الجواهر عن جميع الأعراض والجواهر في اصطلاحهم تسمى الهيولى والمادة والأعراض تسمى الصور وجوز الصالحي الخلو عن جملة الأعراض ابتداء ومنع البصريون من المعتزلة العرو عن الأكوان وجوزوا العرو عما عداها وقال الكعبي ومتوعه يجوز الخلو عما سوى الأكوان ويمتنع الخلو عن الأكوان قال وكل مخالف لنا وافقنا على امتناع العرو عن الأعراض بعد قبول الجواهر فيفرض الكلام مع الملحدة في الأكوان فإن القول فيها يستند إلى الضرورة فإنا ببديهة المعقول نعلم أن الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق لا تعقل غير مماسة ولا متباينة ومما يوضح ذلك أنها إذا اجتمعت فيما لا يزال فلا يتقرر في العقل اجتماعها إلا عن افتراق سابق إذا قدر لها الوجود قبل الاجتماع وكذلك إذا طرأ الافتراق عليها اضطررنا إلى العلم بأن الافتراق مسبوق باجتماع وغرضنا في روم إثبات حدوث العالم يتضح بالأكوان وإن حاولنا ردا على المعتزلة فيما خالفونا فيه تمسكا بنكتتين إحداهما الاستشهاد بالإجماع على امتناع العرو عن الأعراض بعد الاتصاف بها فنقول كل عرض باق فإنه ينتهي عن محله بطريان ضده والضد إنما يطرأ في حال عدم المنتفي به على زعمهم فإذا انتفى البياض فهلا جاز أن لا يحدث بعد انتفائه لون إن كان يجوز تقدير الخلو عن الألوان ابتداء وتطرد هذه الطريقة في أجناس الأعراض ونقول أيضا الدال على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدوثه فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل علىاستحالة قبول الباري تعالى للحوادث قلت فهذا جملة كلامه في هذا الأصل ولم يذكر فيه حجة أصلا على المطلوب بل فيه إحالة فإنه ذكر خمسة أقوال:

أحدها: القول الذي عليه أصحابه أن الجوهر لا يجوز أن يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن أضدادها بل لا بد أن يقوم به من كل جنس عرض واحد سواء كان له ضد أو لم يكن له وإن كان كثير من الناس يقول أن هذا مخالف للحس كدعوى الطعم والريح للهواء والماء والنار

والقول الثاني: في مقابلة هذا وهو جواز خلوه عن كل عرض

والثالث: الخلو عن جميعها في الابتداء دون الدوام

والرابع: أنه يمتنع خلوه عن الأكوان ويجوز خلوه عما سواها وهو قول بصري المعتزلة

والخامس: امتناع خلوها عن الأكوان دون ما سواها وهو قول البغدادي الكعبي وأتباعه وهم أغلظ بدعة من البصريين ثم إنه لم يقم دليلا إلا على الأكوان فإنه ذكر أنه يعلم بالضرورة أن ما قبل الاجتماع والافتراق لم يعقل إلا مجتمعا أو متفرقا وذكر أن مقصوده في حدوث العالم يتم بالأكوان وهذا إنما هو رد على من يجوز خلوها عن الأكوان وقد ذكر عن البصريين أنهم لا يخالفونه في ذلك فاحتج عليهم بحجتين إلزاميتين ليس فيهما حجة علمية إحداهما ما سلموه من امتناع الخلو بعد قيام العرض وسوى بين الحالين وقال إذا جاز أن يخلو قبل قيام العرض عن الضدين جاز بعد ذلك فيقال له أن كانت هذه التسوية باطلة ثبت الفرق وبطل قولك وإن كانت التسوية صحيحة لزم أحد الأمرين إما جواز الخلو قبل وبعد أو امتناع الخلو قبل وبعد لا يلزم أحدهما بعينه وموافقة المنازع لك على امتناع الخلو بعد لا يفيدك أنت علما إذا لم يكن لك ولا له حجة على ذلك فلا بد من حجة يعلم بها امتناع الخلو فيما بعد حتى يلحق به ما قبل وليس معك في ذلك إجماع معصوم من الخطأ إذ ذاك إجماع المؤمنين

وطائفة من المتكلمين لا يمتنع أن يتفقوا على خطأ إذ أكثر الأمة يخطئهم كلهم في كثير من كلامهم على أن الخلاف في هذه المسألة لا يمكن دعوى عدمه على أنه ليس غرضنا الكلام معه في ذلك وإنما الغرض قوله في النكتة الثانية الدالة على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى أنها لو قامت به لم يخل عنها وذلك يقضي بحدوثه فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن الحوادث مع قبوله لها صحة وجوازا فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث

فيقال لك: أنت قد ذكرت أيضا فيما تقدم أن المعتزلة لا يستقيم على أصولهم الاحتجاج على أن الحوادث لا تقوم بذات الباري مع تجويزهم خلو الجواهر عن الأعراض ومع قضائهم بتجدد أحكام الرب تبارك وتعالى وأما أنت وأصحابك فلم تذكروا حجة على أنه يمتنع خلو الجواهر عن كل جنس من أجناس الأعراض ولا أقمتم حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده ولا أقمتم حجة على استحالة قيام الحوادث به بل أنت في مسألة الحوادث جعلت الدليل القاطع الذي تحتج به في أصول الدين الذي ذكرت أنه ليس في بابه مثله هو قولك أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض وما لم يخل من الحوادث لم يسبقها وينساق ذلك إلى الحكم بحدوث الصانع فيقال له قولك لما سبق تقريره إحالة على ما مضى وأنت لم تقرر فيما مضى أن ما قبل الشيء لم يخل منه ولا قررت أن كل جوهر قبل عرضا يستحيل خلوه عنه ولا قررت أيضا استحالة تعري الجواهر عن جميع الأعراض إذ هذا يحتاج إلى مقدمتين إحداهما إمكان قيام كل جنس من الأعراض بكل جوهر والثانية أن القابل لشيء لا يخلو منه ومن ضده وأنت لم تذكر حجة على شيء من ذلك غاية ما ذكرت أنك أثبت الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق فقط وأنك ادعيت تناقض المعتزلة حيث فرقوا بين ما قبل الاتصاف وبعده وحيث إنهم إذا جوزوا خلو الجوهر عن بعض الحوادث مع قبوله بطل الاستدلال على امتناع قيام الحوادث بذات الله وأنه لا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول الباري للحوادث فكان هذا الكلام مع ما فيه من ذكر تناقض المعتزلة وأنه لا حجة لهم على امتناع قيام الحوادث بالرب فيه أيضا أنه لا حجة على امتناع ذلك إلا هذه الحجة وهو أنه لو قبل الجوهر العرض لم يخل منه ثم هذه الدعوى لم تذكر أنت أيضا عليها حجة أصلا فقد أقررت بأن قول أصحابك وقول المعتزلة بأنه تعالى منزه عن قبول الحوادث قول بلا حجة أصلا فأين الدليل الذي ذكرتموه في ذلك فضلا عن أن يكون قاطعا وهذا إذا تدبره العاقل تبين له أن القوم يقولون على الله ما لا يعلمون ويقولون على الله غير الحق كما يقوله المشركون وأهل الكتاب

فإن قلت: قد قررنا ذلك في الأكوان كالاجتماع والافتراق فيقال هذا حق فإن ما كان قابلا أن يكون مجتمعا وأن يكون مفترقا لكن هذا لا عموم فيه في جميع الصفات والأعراض وغايته أن يثبت نظيره في الرب فيقول إذا كانت ذاته قابلة للاجتماع أو الافتراق لم يكن إلا مجتمعا أو مفترقا فالمنازع لك إن لم يسلم قبوله لهذين لم يلزم أن لا يسلم قبوله لغيرهما من الصفات والأفعال كما تقوله أنت وإن سلم ذلك وقال إنه أحد صمد والصمد أصله المجتمع الذي لا جوف له فإنه يقول اجتماعه كعلمه وقدرته وهو من الصفات اللازمة له التي لا يجوز عدمها وليس من الحوادث فصفات الجوهر المخلوقة تقبل الزوال إذ يمتنع عليها البقاء بخلاف صفات الله الواجبة له كما أن ذوات الجوهر المخلوقة تقبل العدم والرب سبحانه واجب الوجود بنفسه يمتنع عليه العدم وبهذا يظهر أنه لم يذكر دليلا على حدوث الجواهر أيضا كما لم يذكر دليلا على امتناع قيام الحوادث بالرب فإن دليله مبني على أربع مقدمات ثبوت الأعراض وثبوت أنها جميعا حادثة وأن الجوهر لا يخلو منها وأنه يمتنع حوادث لا أول لها وهو لم يثبت من الأعراض اللازمة للجواهر إلا الأكوان ( الاجتماع والافتراق ) وهو لم يثبت حدوثها إلا بقبولها العدم فما لم يثبت عدمه لم يعلم حدوثه ولم يثبت جواز تفرق كل الأجسام مع أن الحجة المذكورة في أن ما ثبت عدمه امتنع قدمه فيها كلام ليس هذا موضعه

والمقصود هنا الكلام في مسألة حلول الحوادث التي جعلتها الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية وغيرهم أصلا عظيما في تعطيل ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك كقوله ثم استوى على العرش ثم استوى إلى السماء وغير ذلك ثم إنه سبحانه يقبل أن يفعل بعد إن لم يكن فاعلا والقول بأن فاعلا يفعل وحاله قبل الفعل وبعد سواء ولم يقم به فعل نفسه هو في المعقول أبعد من كون الساكن الذي سكونه قديم يمتنع أن يتحرك لأن السكون القديم يمتنع عدمه ولو عرض على العقل الصحيح جواز أن يبدع أشياء من غير أن يكون له في نفسه فعل أصلا وجواز أن يفعل ويكون فعله في نفسه بعد أن كان تاركا لكان الثاني أقرب إلى عقل كل أحد من الأول فإن هذا الثاني معقول والأول غير معقول

وبهذا استطالت عليهم الدهرية من الفلاسفة ونحوهم فإنهم ادعوا حدوث الجواهر والأجسام ومضمون عموم كلامهم يقتضي أنهم ادعوا حدوث كل موجود لكن لم يقصدوا ذلك وإنما هو لازم لهم ومعلوم أن هذا باطل والدهرية ادعوا قدم السموات ولا شك أن هذا كفر باطل أيضا لكن صار كل من الفريقين يعارض الآخر بحجج تبطل حجج نفسه لأن كلا من القولين باطل فتكون حجتهم باطلة فيمكن إبطالها ولهذا كان غالب أئمتهم يقولون بتكافؤ الأدلة في هذه المسألة ونحوها ويصيرون فيها إلى الوقف والحيرة ثم هم مع ذلك قد يعتقدون أن الإسلام لا يتم إلا بما ادعوه من القول بهذا الحدوث فيكون ذلك سببا لنفاقهم وزندقتهم وذلك باطل ليس هذا من أصل الإسلام في شيء واعتبر ذلك بابن الراوندي الذي يقال إنه أحد شيوخ الأشعري وقد فرح أصحاب الأشعري بموافقته وموافقة أبي عيسى الوراق لهم على إثبات كلام النفس ومع هذا فله كتاب مشهور سماه كتاب التاج في قدم العالم

وذكر الأشعري أنه في كتابه الكبير وهو ( مفصول ) ذكر علل الملحدين الدهريين مما احتجوا به في قدم العالم وتكلم عليها وأنه استوفى ما ذكره ابن الراوندي في كتابه المعروف بكتاب التاج وهو الذي نصر فيه القول بقدم العالم وقد قيل إن الأشعري في آخر عمره أقر بتكافؤ الأدلة واعتبر ذلك بالرازي فإنه في هذه وهي مسألة حدوث الأجسام يذكر أدلة الطائفتين ويصرح في آخر كتبه وآخر عمره وهو كتاب المطالب العالية بتكافؤ الأدلة وأن المسألة من محارات العقول ولهذا كان الغالب على اتباعهم الشك والارتياب في الإسلام كما حدثني ممن حدثه ابن باده أنه دخل على الخسر وشاهي وهو أحد تلامذة ابن الخطيب الذي قدم إلى الشام ومصر وأخذه الملك الناصر صاحب الكرك إلى عنده وكان يقرأ عليه حتى قيل إنه حصل له اضطراب في الإيمان من جهته وجهة أمثاله قال: دخلت عليه بدمشق فقال لي يا فلان ما تعتقد قلت: أعتقد ما يعتقده المسلمون قال وأنت جازم بذلك وصدرك منشرح له قلت نعم قال فبكى بكاء عظيما أظنه وقال لكنني والله ما أدري ما اعتقد لكنني والله ما أدري ما اعتقد لكنني والله ما أدري ما اعتقد

وحدثني الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد القوي عن مؤذن الكرك قال صعدت ليلة بوقت فسبحت في المنارة ثم نزلت والخسر وشاهي ساهر مع السلطان يحدثان فقال إلى الساعة أنت تسبح في المنارة فقلت نعم فقال بت تناجي الرحمن وبت أناجي الشيطان وأيضا فما ذكره أن المعتزلة تصدهم عن طرد الدليل في هذه المسألة أنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن يدل على الحدوث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات يلزمه مثله في تجدد حكم السمع والبصر فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحاله قبل وجودها في السمع والبصر أو لا يكون فإن كان حاله قبل كحاله بعد أو هو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد الاستواء الحالين فإن قيل إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث ولا حيلة في ذلك ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم لأن العلم يتعلق بالمعدوم فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء

وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي والتزم قول الكرامية بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لا بد له من متعلق وهو لا يتعلق بالمعدوم فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث ويلزم أن يتغير وكلاهما محال وقال في الجواب لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما قال وهذا هو المعنى بقول أصحابنا في السمع والبصر أنه صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه فإن قال قائل فحينئذ يلزم تجدد التعلقات قلنا وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان فهذا هو تقرير المذهب ثم لأن سلمنا فساد هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية وقوله يلزم أن يكون محلا للحوادث قلنا إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها فهذا هو المذهب فلم قلتم أنه محال وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه وهذا هو الجواب عن قوله يلزم وجود التغير في ذات الله

قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول وذلك أن قول القائل صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه وضده نفي السمع والبصر هو الإدراك فما الفرق بين الصفة وبين هذا المدرك

ثم عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا أم لا يكون فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر وإن كان سمع ورأى ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي قائم بذات السامع الرائي وأنه ليس أمرا عدميا ولا واسطة بين الوجود والعدم ولو كان عدميا لكان سلبه وجوديا إذا قيل لم يسمع ولم يبصر وإن كان سلبه وجوديا لامتنع وصف المعدوم به فإن المعدوم لا يوصف بوجود ومذاهب هؤلاء إنما تشكل على الناس لاشتراك اللفظ فإن السمع والبصر يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر وليس الله عندهم سميعا بصيرا بهذا الاعتبار وإن كان أهل الإثبات يقولون بذلك وإنما هو عندهم مجرد الإدراك فقط فكيف يقال كان ثابتا في العدم غير متعلق وأنه لا يتعلق إلا بالموجود وأن تعلقه بالموجود عدم محض هذه أقوال معلومة الفساد بالضرورة وقد بسطنا الكلام في مسألة الأفعال الاختيارية بسطا عظيما في غير هذا الموضع وكان المقصود هنا أولا الكلام في اسم الله الواحد وأن له ثلاثة معان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت