فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52033 من 346740

وبالجملة فعامة ما ذمه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم منه أوفر نصيب بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة وقد شاركتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم فإنهم لا يثبتون شيئا من صفات الله تعالى ولا ينزهونه من شيء بالكتاب والسنة والإجماع موقوف على العلم بذلك والعلم بذلك لا يحصل به لئلا يلزم الدور فيرجعون إلى مجرد رأيهم في ذلك

وإذا استدلوا بالقرآن كان ذلك على وجه الاعتقاد والاستشهاد لا على وجه الاعتماد والاعتقاد وما خالف قولهم في القرآن تأولوه على مقتضى آرائهم واستخفوا بالكتاب والسنة وسموهما ظواهر

وإذا استدلوا على قولهم بمثل قوله: { لا تدركه الأبصار } وقوله: { ليس كمثله شيء } أو قوله: { وهو معكم أين ما كنتم } ونحو ذلك لم تكن هذه النصوص هي عمدتهم ولكن يدفعون بها عن أنفسهم عند المسلمين

وأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم بل تارة يردونها بكل طريق ممكن وتارة يتأولونها ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية وأن هذه القواطع العقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة إما بالتأويل وإما بالتفويض وإما بالتكذيب

وأنتم شركاؤكم في هذه الأصول كلها ومنهم أخذتموها وأنتم فروخهم فيها كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة والمعتزلة مخانيث الفلاسفة لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة ونفرت القلوب عنهم صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة

وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد

وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين وأنتم شاركتموهم في ذلك وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام بل علم من يعرف دين الإسلام وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله

وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الأصول في غير هذا الموضع وبينا أن دلالة الكتاب والسنة التي يسمونها دلالة السمع ليست مجرد الخبر كما تظنونه أنتم وهم حتى جعلتم ما دل عليه السمع إما بطريق الخبر الموقوف على تصديق المخبر ثم جعلتم تصديق المخبر وهو الرسول موقوفا على هذه الأصول التي سميتموها أنتم وهم العقليات وجعلوا منها نفس الصفات والتكذيب بالقدر ووافقتموهم على أن منها نفي كثير من الصفات وأنتم لم تثبتوا القدر حتى أبطلتم ما في أمر الله ونهيه بل ما في خلقه وأمره من الحكم والمصالح والمناسبات

وزعمتم أن الرد على القدرية لا يتم إلا بنفي تحسين العقل وتقبيحه مطلقا وأن تجعل الأفعال كلها سواء في أنفسها لا فرق في نفس الأمر بين الصلاة والزنا إلا من جهة حكم الشارع بإيجاب أحدهما وتحريم الآخر فصار قولكم مدرجة إلى فساد الدين والشريعة وذلك أعظم فسادا من التكذيب بالقدر

وقد بينا في غير هذا الموضع أن القرآن ضرب الله فيه الأمثال وهي المقاييس العقلية التي يثبت بها ما يخبر به من أصول الدين: كالتوحيد وتصديق الرسل وإمكان المعاد وأن ذلك مذكور في القرآن على أكمل وجه وإن عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والفلاسفة في هذا الباب يأتي القرآن بخلاصته وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه بل لا نسبة بينهما لعظم التفاوت

ومعلوم أن هذا أمر عظيم وخطب جسيم فإنكم والمعتزلة تثبتون كثيرا مما يثبتونه من أصول الدين بطرق ضعيفة أو فاسدة مع ما يتضمنه ذلك من التكذيب بكثير من أصول الدين

وحقيقة قولهم الذي وافقتموه عليه أنه لا يمكن تصديق الرسول في بعض ما أخبر به إلا بتكذيبه في شيء مما أخبر به فلا يمكن الإيمان بالكتاب كله بل يكفر ببعضه ويؤمن ببعضه فيهدم من الدين جانب ويبني منه جانب على غير أساس ثابت ولولا أن هذا الموضع لا يسع ذلك لفصلناه فإنا قد بسطناه في مواضع مثل ما يقال من أنه لا يمكن الإقرار بالصانع إلا بنفي صفاته أو بعضها التي يستلزم نفيها تعطيله في الحقيقة فيبقى الإنسان مثبتا له نافيا له مقرا بوجوده مستلزما لعدمه وإن كان لا يشعر بالتناقض

وأما العقليات فإنكم وافقتم المعتزلة والفلاسفة على أصول يلزم من تسليمها فساد ما بينتموه فإنكم لما سلمتم لهم أن الأعراض وهي صفات تدل على حدوث ما قامت به أو تدل على إمكانية كانوا مستدلين بهذا على نفي الصفات عن الرب سبحانه وتعالى فتنقطعون معهم

ثم أنتم إنما استدللتم على المتفلسفة بأن ما قامت به الحوادث فهو حادث فإنهم يزعمون أن القديم تقوم به الحوادث ولما ادعيتم أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ألزموكم أول الحوادث فقالوا ذلك الحادث إما أن يكون لحدوثه سبب فإن كان لحدوثه سبب لزم تسلسل الحوادث وذلك يبطل دليلكم عليهم إذ هو مبني على تسلسل الحوادث وامتناع حوادث لا أول لها وإن لم يكن لحدوثها سبب جاز ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح وهذا يبطل جميع أصولكم وأصول المعتزلة والفلاسفة ويبطل إثباتكم بوجود الصانع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت