82 -619 - مسألة: فيمن قال من تبع هذه الفتيا وعمل بها فولده بعد ذلك ولد زنا
فإنه في غاية الجهل والضلال والمشاقة لله ولرسوله فإن المسلمين متفقون على أن كل نكاح اعتقد الزوج أنه نكاح سائغ إذا وطئ فيه فإنه يلحقه فيه ولده ويتوارثان باتفاق المسلمين وإن كان ذلك النكاح باطلا في نفس الأمر باتفاق المسلمين سواء كان الناكح كافرا أو مسلما واليهودي إذا تزوج بنت أخيه كان ولده منها يلحقه نسبه ويرثه باتفاق المسلمين وإن كان ذلك النكاح باطلا باتفاق المسلمين ومن استحله كان كافرا تجب استتابته
وكذلك المسلم الجاهل لو تزوج امرأة في عدتها كما يفعل جهال الأعراب ووطئها يعتقدها زوجة كان ولده منها يلحقه نسبه ويرثه باتفاق المسلمين ومثل هذا كثير فإن ثبوت النسب لا يفتقر إلى صحة النكاح في نفس الأمر بل الولد للفراش كما قال النبي صلى الله عليه و سلم [ الولد للفراش وللعاهر الحجر ] فمن طلق امرأته ثلاثا ووطئها يعتقد أنه لم يقع بها الطلاق إما لجهله وإما لمفت مخطئ قلده الزوج وإما لغير ذلك فإنه يلحقه النسب ويتوارثان بالإتفاق بل ولا تحسب العدة إلا من حين ترك وطأها فإنه كان يطؤها معتقدا أنها زوجته فهي فراش له فلا تعتد له حتى يزول الفراش
ومتى نكح امرأة نكاحا فاسدا متفقا على فساده أو مختلفا في فساده لو ملكها ملكا فاسدا متفقا على فساده أو مختلفا في فساده ووطئها يعتقدها زوجته الحرة أو أمته المملوكة فإن ولده منها يلحقه نسبه ويتوارثات باتفاق المسلمين والولد يكون
أيضا حرا وإن كانت الموطوءة مملوكة للغير في نفس الأمر ووطئت بدون إذن سيدها لكن لما كان الواطئ مغرورا زوج بها وقيل هي حرة أو بيعت فاشتراها يعتقدها ملكا للبائع فإنما وطئ من يعتقدها زوجته الحرة أو أمته المملوكة فولده منها حر لأجل اعتقاده وإن كان اعتقاده مخطئا
وبهذا قضى الخلفاء الراشدون واتفق عليه أئمة المسلمين
فهؤلاء الذين وطئوا أو جاءهم أولاد لو كانوا قد وطئوا في نكاح فاسد متفق على فساده وكان الطلاق وقع بهم باتفاق المسلمين وهم وطئوا يعتقدون أن النكاح باق لأجل فتيا من أفتاهم أو لغير ذلك كان نسب الأولاد بهم لاحقا ولم يكونوا أولاد زنا بل يتوارثون باتفاق المسلمين
هذا في المجمع على فساده فكيف في المختلف في فساده وإن كان القول الذي وطئ به ضعيفا كمن وطئ في نكاح المتعة أو نكاح المرأة نفسها بلا ولي ولا شهود فإن هذا إذا وطئ فيه يعتقده نكاحا لحقه فيه النسب فكيف بنكاح مختلف فيه وقد ظهرت حجة القول بصحته بالكتاب والسنة والقياس وظهر ضعف القول الذي يناقضه وعجز أهله عن نصرته بعد البحث التام لانتفاء الحجة الشرعية
فمن قال أن هذا النكاح أو مثله يكون الولد فيه ولد زنا لا يلحقه نسبه ولا يتوارث هو وأبوه الواطئ فإنه مخالف لإجماع المسلمين منسلخ من ربقة الدين فإن كان جاهلا عرف وبين له أن رسول الله صلى الله عليه و سلم وخلفاءه الراشدين وسائر أئمة الدين ألحقوا أولاد الجاهلية بآبائهم وإن كانت محرمة بالإجماع ولم يشترطوا في لحوق النسب أن يكون النكاح جائزا في شرع المسلمين فإن أصر على مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى وإتباع غير سبيل المؤمنين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل
فقد ظهر أن من أنكر الفتيا بأنه لا يقع الطلاق وادعى الاجماع على وقوعه وقال إن الولد ولد زنا هو مخالف لاجماع المسلمين مخالف لكتاب الله ورسول رب العالمين وأن المفتي بذلك أو القاضي به فعل ما يسوغ بإجماع المسلمين وليس لأحد المنع من الفتيا بقوله أو القضاء بذلك ولا الحكم بالمنع من ذلك باتفاق المسلمين والأحكام المخالفة للاجماع باطلة باجماع المسلمين والله أعلم