قال أبو العباس: وخفي أصله على كثير من السلف والخلف حتى أنكره بعض الصحابة وطائفة من أهل المدينة وأهل البيت وصنف الإمام أحمد كتابا كبيرا في الأشربة في تحريم المسكر ولم يذكر فيه خلافا عن الصحابة فقيل له في ذلك فقال: هذا صح فيه الخلاف عن الصحابة بخلاف المسكر ومالك مع سعة علمه وعلو قدره أنكره في رواية وأصحابه خالفوه في ذلك
قلت: وحكى ابن أبي شيبة إنكاره عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وضعف الرواية عن الصحابة بإنكاره غير واحد والله أعلم
والذين خفي عليهم ظنوا معارضة آية المائدة للمسح لأنه أمر بغسل الرجلين فيها واختلف في الآية مع المسح على الخفين فقالت طائفة: المسح على الخفين ناسخ للآية قاله الخطابي قال: وفيه دلالة على أنهم كانوا يرون نسخ القرآن بالسنة قال الطبري مخصص وهو قول طائفة: هو أمر زائد على ما في الكتاب وطائفة بيان لما في الكتاب
ومال إليه أبو العباس وجميع ما يدعى من السنة أنه ناسخ للقرآن غلط أما أحاديث المسح فهي تبين المراد بالقرآن إذ ليس فيه أن لابس الخف يجب عليه غسل الرجلين وإنما فيه أن من قام إلى الصلاة يغسل وهذا عام لكل قائم إلى الصلاة لكن ليس عاما لأحواله بل هو مطلق في ذلك مسكوت عنه
قال أبو عمر بن عبد البر: معاذ الله أن يخالف رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاب الله بل يبين مراده به وطائفة قالت: كالشافعي وابن القصار ومال إليه أبو العباس أيضا أن الآية قرئت بالخفض والنصب فيحمل النصب على غسل الرجلين والخفض على مسح الخفين فيكون القرآن كآيتين
وهل المسح أفضل أم غسل الرجلين أم هما سواء ثلاث روايات عن أحمد والأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خفيه اقتداء به صلى الله عليه و سلم وأصحابه ولمن قدماه مكشوفتان الغسل ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه وكان صلى الله عليه و سلم يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابس الخفين
ويجوز المسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكن هو قديم الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء وعلى القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل كما جاءت به الآثار والاكتفاء بأكثر القدم هنا والظاهر منها غسلا ومسحا أولى من مسح بعض الخف ولهذا لا يتوقت
وذكر في موضع آخر أن الرجل لها ثلاث أحوال الكشف له الغسل وهو أعلى المراتب والستر المسح وحالة متوسطة وهي في النعل فلا هي بارزة فيجب الغسل فأعطيت حالة متوسطة وهو الرش وحيث أطلق عليها لفظ المسح في هذا الحال فالمراد به الرش وقد ورد الرش على النعلين والمسح عليها في المسند من حديث أوس ورواه ابن أوس ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس ومنصوص أحمد المسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين فإذا أجاز عليهما فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلا ومنفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين وما لبسه من فرو أو قطن وغيرهما وثبت بشده بخيط متصل أو منفصل مسح عليه وأما اشتراط الثبات بنفسه فلا أصل له في كلام أحمد وإنما المنصوص عنه ما ذكرناه
وعلى القول باعتبار ذلك فالمراد به ما ثبت في الساق ولم يسترسل عند المشي ولا يعتبر موالاة المشي فيه كما ذكره أبو عبد الله بن تيمية ويجوز على العمامة الصماء وهي كالقلانس والمحكي عن أحمد الكراهة والأقرب أنها كراهة السلف لغير المحنكة على الحاجة إلى ذلك لجهاد أو غيره والعمائم المكلبة بالكلاب تشبه المحنكة من بعض الوجوه فإنه يمسكها كما تمسك الحنك العمامة ومن غسل إحدى رجليه ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى فإنه يجوز المسح عليها من غير اشتراط خلع ولبسه قبل إكمال الطهارة كلبسه بعدها وكذا لبسها قبل كمالها وهو إحدى الروايتين وهو مذهب أبي حنيفة ولو غسل الرجلين في الخفين بعد أن لبسها محدثا جاز المسح وهو مذهب أبي حنيفة وقول مخرج في مذهب أحمد
قلت: وهو رواية في المنهج ولا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين وعليه يحمل قصة عقبة بن عامر وهو نص مذهب مالك وغيره ممن لا يرى التوقيت ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور
وإذا حل الجبيرة فهل تنتقض طهارته كالخف ؟ على قول من يقول بالنقض أولا تنتقض كحلق الرأس الذي ينبغي أن لا تنتقض الطهارة بناء على أنها طهارة أصل لوجوبها في الطهارتين وعدم توقيتها وأن الجبيرة بمنزلة باقي البشرة إلا أن الفرض استتر بما يمنع وصول الماء إليه فانتقل الفرض إلى الحائل في الطهارتين كما ينتقل الوضوء إلى منبت الشعر في الوجه والرأس للمشقة لا للشعر وهذا قوي على قول من لا يشترط الطهارة لشدها
فأما من اشترط الطهارة لشدها فألحقها الحوائل البنيلية فتنتقض الطهارة بزوالها كالعمامة والخف ويتوجه أن تنبني هذه على الروايتين في اشتراط الطهارة
قلت: البدل عندنا في حل الجبيرة إن كان بعد البرء وإلا فكالخف إذا خلعه وإن كان قبله فوجهان أصحهما كذلك والله سبحانه وتعالى أعلم