322 -10 - مسألة: فيما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح ؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين الكلام على هذا القول من وجهين
أحدهما: من جهة ثبوته عن الشيخ
والثاني: من جهة صحته في نفسه وفساده
أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا عن الشيخ أبي سليمان بإسناد وإنما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم تارة يذكره بإسناد وتارة يذكر مرسلا
وكثيرا ما يقول: وقيل كذا
ثم الذي يذكره بالإسناد تارة يكون إسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع
وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم
والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه وأن علموا أنه كذب إذا قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث المكذوبة مع بيان كونه كذبا جائز
وأما روايتها مع الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين ] وقد فعل ذلك كثير من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه
والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه و سلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقه: إما لسوء حفظه وإما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ
وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه و سلم نبيا ] وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وإن كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه لكنه رواه بإسناد صحيح
وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وإن كان أول حديث ذكره في الباب فإن حديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وإن كان هو لا يعتمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب السختياني: لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة: لا شيء وقال الإمام أحمد والنسائي: هو ضعيف وقال يحيى بن معين: رجل سوء وقال أبو حاتم وأبو زرعة: منكر الحديث
وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي بإسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشايخ وحكاياتهم وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية و كتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الأبواب كتاب مقامات الأولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة
وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال: سمعت النصر آبادي يقول: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضى الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيما إذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصحيح الذي في البخاري: [ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبد بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ] الحديث
وذلك أن الرضا نوعان:
أحدهما: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول ما أباحه الله من غير تعد إلى المحظور كما قال: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } وقال تعالى: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } وهذا الرضا واجب ولهذا ذم من تركه بقوله: { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون }
والنوع الثاني: الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل: إنه واجب والصحيح: أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن: الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن وقد روى في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فإن لم تستطع فإن في الصبرعلى ما تكره خيرا كثيرا ]
وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال: { ولا يرضى لعباده الكفر } وقال: { والله لا يحب الفساد } وقال تعالى: { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } وقال تعالى: { فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } وقال: { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } وقال تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم } وقال تعالى: { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } وقال تعالى: { فلما آسفونا انتقمنا منهم }
فإذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن لا يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه
وإنما ضل هنا فريقان من الناس: قوم من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه وسخطه يرجع إلى إرادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية وقالوا: هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا: لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يريد لعباده المؤمنين
وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة أن يقال: لا يحب الإيمان ولا يرضى لعباده الإيمان أي لا يريده للكافرين ولا يرضاه للكافرين
وقد اتفق أهل الإسلام على أن ما أمر الله به فإنه يكون مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل أو لم يفعل والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع
والفرق الثاني: من غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعا وعلموا أنه قدر على كل شئ وشاءه وظنوا أنهم لا يكونوا راضين حتى يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم: المحبة نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا: والكون كله مراد المحبوب
وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الإرادة الدينية والكونية والإذن الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والإرسال الكوني والديني كما بسطناه في غير هذا الموضع
وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى أن لا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعدائه والأنبياء والمتقين ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذه حقيقة ولعمري أنه حقيقة كونية لكن هذه الحقيقة الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } وقال تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون } الآيات
فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام
والمؤمن إنما فارق الكفر بالإيمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصايب يصبر فهو كما قال تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك } فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب كما قال تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } وقال تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } وقال يوسف: { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين }
والمقصود هنا أن ما ذكره القشيري عن النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه وكذلك قول الشيخ أبي سليمان: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها فإذا لم يحصل سخط فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق
وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل
وكذلك ما ذكره معلقا قال: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال الجنيد: قولك ذا ضيق الصدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن هذا من أحسن الكلام وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما
وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها إذ كانت حالا ينافي الرضى ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكرعليه
وفيما ذكرناه آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال: وقيل: قال موسى: إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني فقال: إنك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا فأوحى الله إليه: يا بن عمران رضائي في رضاك عني فهذه الحكاية الإسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال: لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران ومعلوم أن هذه الإسرائيليات ليس لها إسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من الدين إلا
إذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا به عن بني إسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى من أعظم أولي العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال: إنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه والله تعالى راض عن
السابقين الأولين من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان أفلا يرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن
وقال تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه }
ومعلوم أن موسى بن عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم إن الله تعالى خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال: { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني }
ثم إن قوله في الخطاب: ( يا بن عمران ) مخالف لما ذكره الله من خطابه في القرآن حيث قال: { يا موسى } وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر
ومثل ما ذكر أنه قيل: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر فهذا الكلام كلام حسن وإن لم يعلم إسناده
وإذا تبين أن فيما ذكره مسندا ومرسلا ومعلقا ما هو صحيح وغيره فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان إلا مرسلة وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس فإنه وإن قال بعض الناس: أن المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما إذا عرف ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم أنه تارة يحفظ الإسناد وتارة يغلط فيه
والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشايخ وكلامهم مثل كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن وصفة الصفوة لابن الجوزي وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي سليمان ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال: قال لأحمد بن أبي الحواري: يا أحمد: لقد أوتيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا فهذا الكلام مأثور عن أبي سليمان بالإسناد ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ أبي سليمان
ثم إن القشيري قرن هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن منها فإنه قبل أن يرويها قال: وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري عن قول النبي صلى الله عليه و سلم أسألك الرضا بعد القضا فقال: لأن الرضا بعد القضا هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد
ثم أسند بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون قد عرفت طرقا من الرضا لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا
فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وإنما هو عزم على الرضا وإنما الرضا ما يكون بعد القضا وإن كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم: بماذا عرفت ربك قال: بفسخ العزائم في بعض الهمم
وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشايخ: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص }
وفي الترمذي: أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم: لو علمنا أي العمل أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد قال تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } الآية
فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه فلما ابتلوا به كرهوه وفروا منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان يقول:
( وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني )
فأخذ الأسر من ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب
وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي بكر الواسطي أنه قال سمنون: يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله أربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية يتلوى يمينا وشمالا فلما أطلق بوله قال: رب قد تبت إليك
قال أبو نعيم: فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب به المثل وله في المحبة مقام مشهور حتى روي عن إبراهيم ابن فاتك أنه قال: رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر قال: رأيته يوما يتكلم في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا
وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية تناسب هذا حيث قال: قال رويم: إن الرضا لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون: فكيف ما شئث فامتحني وإذا لم يطق الصبر على عسر البول فيطيق أن تكون النار عن يمينه
والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى قال: بحبي لك ألا فرجت عني ففرج عنه
ورويم وإن كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية يقولون أنه رجع إلى الدنيا وترك التصوف حتى روي عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد أنه قال: من أراد أن يتكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل: وكيف يتصور ذلك ؟ قال: ولي إسمعيل بن إسحق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه إليه وجعله وكيلا على بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها ظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ما هو معروف وكان على مذهب داود
وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما يقدر عليه من التقوى والصبر والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وإن لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا
ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه و سلم وهو مريض كالفرخ فقال: هل كنت تدعو الله بشيء ؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معذبني به في الآخرة فاجعله في الدنيا فقال: سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }
فهذا أيضا حمله خوفه من عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا وكان مخطئا في ذلك غالطا
والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لما عبر الرؤيا: [ أصبت بعضا وأخطأت بعضا ]
ويشبه والله أعلم أن أبا سليمان لما قال هذه الكلمة: لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيا أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعنى أنه قال: الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار
وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا تدل على رضاه بذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم لا يستمر بل ينفسخ وأن هذه الكلمة كان تركها أحسن من قولها وأنها مستدركة كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا عظيما فإن تلك الكلمة مضمونها أن من سأل الجنة واستعاذ من النار لا يكون راضيا
وفرق بين من يقول: أنا إذ أفعل كذا كنت راضيا وبين من يقول: لا يكون راضيا إلا من لا يطلب خيرا ولا يهرب من شر
وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم ومن أتبعهم للشريعة حتى أنه قال: إنه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام ؟
وقال الشيخ أبو سليمان أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من أتبع المشايخ للسنة فكيف أبو سليمان
وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام تظهر بالكلام في المقام الثاني وهو قول القائل كائنا من كان: الرضا أن تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وتقدم قبل ذلك مقدمة تبين بها أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب
وذلك أن قوما كثيرا من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ثم صاروا ضربين:
ضرب أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومنهم من أقر بالرؤية إما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه و سلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وإما برؤية فسروها بزيادة كشف أو علم أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب إليها ضرار بن عمرو وطوائف من أهل الكلام المنتسبين إلى نصر أهل السنة في مسألة الرؤية وإن كان ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع أهل السنة معنوي ولهذا كان بشر وأمثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء
والمقصود هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته ربه قالوا: لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفا بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك فقال: يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر إليه ! وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المقدرات مقارنا للرؤية فأما النعيم بنفس الرؤية فأنكره وجعل هذا من أسرار التوحيد
وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه و سلم: [ اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضا وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين ]
وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون: ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه ] وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم
وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشايخ الطريق كما روي عن الحسن البصري أنه قال: لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا إليه وكلامهم في ذلك كثير
ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشايخ على التنعم بالنظر إلى الله تعالى تنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك فذهب طوائف من والفقهاء إلى أن الله لا يحب نفسه وإنما المحبة محبة طاعته وعبادته وقالوا: هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وإنما محبته إرادته للإحسان إليهم وولايتهم ودخل في هذا القول من انتسب إلى نصر السنة من أهل الكلام حتى وقع فيه طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء
وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال فإن أول من أنكر المحبة في الإسلام: الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه
والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق أن الله يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام كأبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الإحياء وغيره وكذلك أبو القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في
كتاب أبي طالب المسمى بقوت القلوب وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده من كتب الفلاسفة من إثبات نحو ذلك حيث قالوا: يعشق ويعشق
وقد بسط الكلام على هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى: { يحبهم ويحبونه }
وقال تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله }
وقال: { أحب إليكم من الله ورسوله }
وفي الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ]
والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ بالنظر إليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم إلا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ومشايخها فهذا أحد الحزبين الغالطين