فمتى كان الشرط المقصود حضا على فعل أو منعا منه أو تصديقا لخبر أو تكذيبا كان الشرط مقصود العدم هو وجزاؤه كنذر اللجاج والحلف بالطلاق على وجه اللجاج والغضب:
القاعدة الأولى: إن الحلف بالله سبحانه وتعالى قد بين الله تعالى حكمه بالكتاب والسنة والإجماع فقال تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } وقال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وقال تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون }
وفي الصحيحين عن عبد الله بن سمرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك ] فبين له النبي صلى الله عليه و سلم حكم الأمانة الذي هو الإمارة وحكم العهد الذي هو اليمين وكانوا في أول الإسلام لا مخرج لهم من اليمين قبل أن تشرع الكفارة ولهذا قالت عائشة: كان أبو بكر لا يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين ولذلك لأن اليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به كما يجب بسائر العقود وأشد لأن قوله أحلف بالله وأقسم الله ونحو ذلك في معنى قوله أعقد بالله ولهذا عدي بحرث الإلصاق الذي يستعمل في الربط والعقد فينعقد المحلوف عليه بالله كما تنفعد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة
ولهذا سماه الله عقدا في قوله: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فإذا كان قد عقدها بالله كان الحنث فيها نقضا لعهد الله وميثاقه لولا ما فرضه الله من التحلة ولهذا سمى حلها حنثا والحنث هو الاسم في الأصل فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية فإنما الكفارة منعته أن يوجب إثما ونظير الرخصة في كفارة اليمين بعد عقدها الرخصة أيضا في كفارة الظهار بعد أن كان الظهار في الجاهلية وأول الإسلام طلاقا وكذلك الإيلاء كان عندهم طلاقا فإن هذا جار على قاعدة وجوب الوفاء بمقتضى اليمين فإن الإيلاء إذا وجب الوفاء بمقتضاه من ترك الوطء صار الوطء محرما وتحريم الوطء تحريما مطلقا مستلزم لزوال الملك فإن الزوجة لا تكون محرمة على الإطلاق ولهذا قال سبحانه: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }
والتحلة مصدر حللت الشيء أحله تحليلا وتحلة كما يقال كرمته تكريما وتكرمة وهذا مصدر يسمى به المحلل نفسه الذي هو الكفارة فإن أريد المصدر فالمعنى فرض الله لكم تحليل اليمين وهو حلها الذي هو خلاف العقد ولهذا استدل من استدل من أصحابنا وغيرهم كأبي بكر عبد العزيز بهذه الآية على التكفير قبل الحنث لأن التحلة لا تكون بعد الحنث فإنه بالحنث ينحل اليمين وإنما تكون التحلة إذا أخرجت قبل الحنث لينحل اليمين وإنما هي بعد الحنث كفارة لأنها كفرت ما في الحنث من سبب الإثم لنقض عهد الله فإذا تبين أن ما اقتضت اليمين من وجوب الوفاء بها رفعه الله عن هذه الأمة بالكفارة التي جعلها بدلا من الوفاء في جملة ما رفعه عنها من الآصار التي نبه عليها بقوله: { ويضع عنهم إصرهم }
فالأفعال ثلاثة: إما طاعة وإما معصية وإما مباح فإذا حلف ليفعلن مباحا أو ليتركنه فهنا الكفارة المشروعة بالإجماع وكذلك إذا كان المحلوف عليه فعل مكروه أو ترك مستحب وهو المذكور في قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } وأما إن كان المحلوف عليه فعل واجب أو ترك محرم فها هنا لا يجوز الوفاء بالاتفاق بل يجب التكفير عند عامة العلماء وقبل أن تشرع الكفارة كان الحالف على مثل هذا لا يحل له الوفاء بيمينه ولا كفارة له ترفع عنه مقتضى الحنث بل يكون عاصيا معصية لا كفارة فيها سواء وفي أو لم يف كما لو نذر معصية عند من لم يجعل في نذره كفارة وكما إن كان المحلوف عليه فعل طاعة غير واجبة