فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51906 من 346740

فصل

ومع هذا فقد حفظ عن أئمة الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس هذا القول وفي ذلك حجة على من يزعم أن أقوال هؤلاء الأئمة بدون الصحابة ليس بحجة فروى اللالكائي من طريقين من طريق محمد بن المصفى ومن طريق الفضل بن عبد الله الفارسي كلاهما عن عمرو بن جميع أبي المنذر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: لما حكم علي الحكمين قالت له الخوارج: حكمت رجلين ؟ قال ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن

ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناد آخر إلى علي وقال: حدثنا محمد بن حجاج الحضرمي المضري حدثنا يعلى بن عبد العزيز حدثنا عتبة بن السكن الفزاري حدثنا الفرج بن يزيد الكلاعي قال: قالوا لعلي يوم صفين حكمت كافرا أو منافقا ؟ قال: ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن

وهذا السياق يبطل تأويل من يفسر كلام السلف بأن المخلوق هو المفتري المكذوب والقرآن غير مفتر ولا مكذوب فإنهم لما قالوا: حكمت مخلوقا إنما أرادوا مربوبا مصنوعا خلقه الله لم يريدوا مكذوبا

فقوله: ما حكمت مخلوقا نفي لما ادعوه وقوله: ما حكمت إلا القرآن نفي لهذا الخلق عنه وقد روي ذلك عن علي من طريق ثالث

وأما قول ابن مسعود فمن المحفوظ الثابت عنه الذي رواه الناس من وجوه كثيرة صحيحة من حديث يحيى بن سعيد القطان وغيره عن سفيان الثوري عن الأعمش عن عبدالله بن مرة عن أبي كنف قال: قال عبدالله: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين قال: فذكرت ذلك لابراهيم قال فقال عبدالله: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع

وروى محمد بن هرون الروياني حدثنا أبو الربيع حدثنا أبو عوانة عن أبي سنان عن عبدالله بن أبي الهذيل عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: أخذ عبدالله بيدي فلما أشرفنا على السد إذ نطر إلى السوق قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن وآية قال فغمزني عبدالله بيدي

ثم قال: أتراه مكفرا ؟ أما إن كل آية فيها يمين ولا نزاع بين الأمة أن المخلوقات لا يجب في الحلف بها يمين كالكعبة وغيرها إلا ما نازع فيه بعضهم من الحلف برسول الله صلى الله عليه و سلم لكون الإيمان به أحد ركني الإيمان وقوله: عليه كل آية يمين قد اتبعه الأئمة وعملوا به كالإمام أحمد وإسحق وغيرهما لكن هل تتداخل الأيمان إذا كان المحلوف عليه واحدا ؟ كما لو حلف بالله لا يفعل ثم حلف بالله لايفعل هذا فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد

وأما قول ابن عباس فقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا بن صالح بن جابر الانماطي حدثنا علي بن عاصم عن عمران بن حدير عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له فوثب إليه ابن عباس فقال مه القرآن منه زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود

فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب من أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور وجرت المحنة المشهورة وكان أئمة الهدى على ما جاءت به الرسل عن الله من أن القرآن كلام الله تكلم به هو سبحانه وهو منه وقائم به وما كان كذلك لم يكن مخلوقا إنما المخلوق ما يخلقه من الأعيان المحدثة وصفاتها وكثير منهم يرد قول الجهمية بإطلاق القول بأن القرآن كلام الله لأن حقيقة قولهم أنه ليس كلامه ولا تكلم ولا يتكلم به ولا بغيره فإن المستقر في فطر الناس وعقولهم ولغاتهم أن المتكلم بالكلام لا بد أن يقوم به الكلام فلا يكون متكلما بشيء لم يقم به بل هوقائم بغيره كما لا يكون عالما بعلم قائما بغيره ولا حيا بحياة قائمة بغيره ولا مريدا بإرادة قائمة بغيره ولا محبا ومبغضا ولا راضيا وساخطا بحب وبغض ورضى وسخط قائم بغيره ولا متألما ولا متنعما وفرحا وضاحكا يتألم وتنعم وفرح وضحك قائم بغيره فكل ذلك عند الناس من العلوم الضرورية البديهية الفطرية التي لا ينازعهم فيها إلا من أحيلت فطرته

وكذلك عندهم لا يكون آمرا وناهيا بأمر ونهي لا يقوم به بل يقوم بغيره ولا يكون مخبرا ومحدثا ومنبأ بخبر وحديث ونبأ لا يقوم به بل بغيره ولا يكون حامدا أو ذاما ومادحا ومثنيا بحمد وذم ومدح وثناء لا يقوم به بل بغيره ولايكون مناجيا ومناديا وداعيا بنجاء ودعاء ونداء لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون واعدا وموعدا بوعد ووعيد لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون مصدقا ومكذبا بتصديق وتكذيب لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره ولا يكون حالفا ومقسما موليا بحلف وقسم ويمين لا يقوم به ولا يقوم إلا بغيره بل من أظهر العلوم الفطرية الضرورية التي علمها بنوآدم وجوب قيام هذه الأمور بالموصوف بها وامتناع أنها لا تقوم إلا بغيره

فمن قال أن الحمد والثناء والأمر والنهي والنبأ والخبر والوعد والوعيد والحلف واليمين والمناداة والمناجاة وسائر ما يسمى ويوصف به أنواع الكلام يمتنع أن تكون قائمة بالآمر الناهي المناجي المنادي المنبىء المخبر الواعد المتوعد الحامد المثني الذي هو الله تعالى ويجب أن تكون قائمة بغيره فقد خالف الفطرة الضرورية المتفق عليها بين الآدميين وبدل لغات الخلق أجمعين ثم مع مخالفته للمعقولات واللغات فقد كذب المرسلين أجمعين ونسبهم إلى غاية التدليس والتلبيس على المخاطبين لأن الرسل أجمعين أخبروا أن الله أمر ونهى وقال ويقول وقد علم بالاضطرار أن مقصودهم أن الله هو نفسه الذي أمر ونهى وقال: لا إن ذلك شيء لم يقم به بل خلقه في غيره

ثم لو كان مقصودهم ذلك فمعلوم أن هذا ليس هو المعروف من الخطاب ولا المفهوم منه لا عند الخاصة ولا عند العامة: بل المعروف المعلوم أن يكون الكلام قائما بالمتكلم فلو أرادوا بكلامه وقوله إنه خلق في بعض المخلوقات كلاما لكانوا قد أضلوا الخلق على زعم الجهمية ولبسوا عليهم غاية التلبيس وأرادوا باللفظ ما أعلم يدلوا الخلق عليه والله تعالى قد أخبر أن الرسل بلغت البلاغ المبين فمن نسبهم إلى هذا فقد كفر بالله ورسوله

وهذا قول الزنادقة المنافقين الذين هم أصل الجهمية الذين يصفون الرسل بذلك من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم بل كون المتكلم الآمر الناهي لا يوصف بذلك إلا لقيام الكلام بغيره مع امتناع قيامه به أمر لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازا

وزعمت الجهمية الملحدة في أسماء الله وآياته المحرفة للكلم عن مواضعه المبدلة لدين الله من المعتزلة ونحوهم أن المتكلم في اللغة من فعل الكلام وإن كان قائما بغيره كالجني المتكلم الى لسان الإنسي المصروع فإنه هو المتكلم بما يسمع من المصروع لأنه فعل ذلك وإن كان الكلام لم يقع إلا بالإنسي دون الجني وهذا من التمويه والتدليس فأما قولهم المتكلم من فعل الكلام فقد نازعهم فيه طائفة من الصفاتية وقالوا بل المتكلم من قام به الكلام وإن لم يفعله كما يقوله الكلابية والأشعرية وبين الفريقين في ذلك نزاع طويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت