فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51301 من 346740

فصل

ومن القواعد التي أدخلها قوم من العلماء في الغرر المنهى عنه أنواع من الإجارات والمشاركات كالمساقاة والزارعة ونحو ذلك

فذهب قوم من الفقهاء إلى أن المساقاة والمزارعة حرام باطل بناء على أنها نوع من الإجارة لأنها عمل بعوض والإجارة لا بد أن يكون فيها الأجر معلوما لأنها كالثمر ولما روى أحمد بن سعيد: [ أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ] وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر والعوض في المساقاة والمزارعة مجهول لأنه قد يخرج الزرع والثمر قليلا وقد يخرج كثيرا وقد يخرج على صفات ناقصة وقد لا يخرج فإن منع الله الثمرة فقد استوفى عمل العامل باطلا

وهذا قول أبي حنيفة وهو أشد الناس قولا بتحريم هذا وأما مالك والشافعي فالقياس عندهما ما قاله أبو حنيفة إدخالا لذلك في الغرر لكن جوزا منه ما تدعو إليه الحاجة فجوز مالك والشافعي في القديم المساقاة مطلقا لأن كراء الشجر لا يجوز لأنه بيع الثمر قبل بدو صلاحه والمالك قد يتعذر عليه سقي شجرة وخدمتها فيضطر إلى المساقاة بخلاف المزارعة فإنه يمكنه كراء الأرض بالأجر المسمى فيغنيه ذلك عن المزارعة لكن جوزا من المزارعة ما يدخل في المساقاة تبعا فإن كان بين الشجر بياض فليقل جازت المزارعة عليه تبعا للمساقاة ومذهب مالك أن زرع ذلك الأرض للعامل بمطلق العقد فإن شرطاه بينهما جاز وهذا إذا لم يتجاوز الثلث والشافعي لا يجعله للعامل لكن يقول إذا لم يمكن سقي الشجر إلا بسقيه جازت المزارعة عليه ولأصحابه في البياض إذا كان كثيرا أكثر من الشجر وجهان وهذا إذا جمعهما في صفقة واحدة فإن فرق بينهما في صفقتين فوجهان:

أحدهما: لا يجوز بحال لأنه إنما جاز تبعا فلا يفرد بعقد

والثاني: يجوز إذا ساقى ثم زارع لأنه يحتاج إليه حينئذ وأما إذا قدم المزارعة لم يجز وجها واحدا وهذا إذا كان الجزء المشروط فيهما واحدا كالثلث أو الربع فإن فاصل بينهما ففيه وجهان وروى عن قوم من السلف منهم: طاوس والحسن وبعض الخلق: المنع من إجارة الأرض بالأجرة المسماة وإن كانت دراهم أو دنانير روى حرب عن الأوزاعي أنه سئل هل يصلح احتكار الأرض فقال اختلف فيه فالجماعة من أهل العلم لا يرون احتكارها بالدينار والدرهم وكره ذلك آخرون منهم وذلك لأنه في معنى بيع الغرر لأن المستأجر يلتزم الأجرة بناء على ما يحصل له من الزرع وقد لا يثبت الزرع فيكون بمنزلة اكتراء الشجر للاستثمار وقد كان طاوس يزارع ولأن المزارعة أبعد عن الغرر من المؤاجرة لأن المتعاملين في المزارعة أما أن يغنما جميعا أو يغرما جميعا فيذهب منفعة هذا وبقره ومنفعة أرض هذا وذلك أقرب إلى أن يحصل أحدهما على شيء مضمون ويبقى الآخر بحسب الخطر إذ المقصود بالعقد هو الزرع لا القدرة على حرث الأرض وبذرها وسقيها

وعذر الفريقين مع هذا القياس ما بلغهم من الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم من نهيه عن المخابرة وعن كراء الأرض لحديث رافع بن خديج وحديث جابر فعن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعة على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية ثم حدث عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن كراء المزارع فذهب ابن عمر إلى رافع فذهبت معه فسأله فقال: نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن كراء المزارع فقال ابن عمر: قد علمت أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم بما على الأربعاء وشيء من التبن أخرجاه في الصحيحين

وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه و سلم ! فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهي عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد فكان إذا سئل عنها قال: زعم ابن خديج أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عنها وعن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج يحدث كان ينهي عن كراء الأرض فلقيه عبد الله فقال ابن خديج: ماذا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن كراء الأرض قال عبد الله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله أن الأرض تكرى ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله أحدث في ذلك شيئا لم يعلمه فترك كراء الأرض رواه مسلم وروى البخاري قول عبد الله في آخره

وعن رافع ابن خديج عن عمر وظهير بن رافع قال ظهير: [ لقد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر كان بنا رافقا قلت: ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو حق قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ما تصنعون بمحاقلكم قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير قال: لا تفعلوا ازرعوها أو امسكوها قال رافع قلت: سمعا وطاعة ] أخرجاه في الصحيحين

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أباها فليمسك أرضه ] أخرجاه

وعن جابر بن عبد الله قال: كانوا يزرعونها بالثلث والربع فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن لم يفعل فليمسك أرضه ] أخرجاه وهذا لفظ البخاري

ولفظ مسلم كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه و سلم نأخذ الارض بالثلث أو الربع بالماذيانات فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك فقال: [ من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها ] وفي رواية في الصحيح: [ ولا يكريها ] وفي رواية في الصحيح: [ نهى عن كراء الأرض ]

وقد ثبت أيضا في الصحيحين عن جابر قال: [ نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة ] وفي رواية في الصحيحين عن زايد بن أبي أنيسة عن عطاء عن جابر: [ أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وأن يشتري النخل حتى يشقح ] والإشقاح أن يحمر أو يصفر أو يؤكل منه شيء والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم والمزابنة أن يباع النخل بأوساق من التمر

والمخابرة الثلث أو الربع وأشباه ذلك قال زيد: قلت لعطاء: أسمعت جابر يذكرها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: نعم

فهذه الأحاديث قد يستدل بها من ينهي عن المؤاجرة والمزارعة لأنه نهى عن كرائها والكراء يعمهما لأنه قال فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسكها فلم يرخص إلا في أن يزرعها أو يبيحها لغيره ولم يرخص في المعاوضة لا بمؤاجرة ولا يمزارعة ومن يرخص في المزارعة دون المؤاجرة يقول الكراء هو الإجارة أو المزارعة الفاسدة التي كانوا يفعلونها بخلاف المزارعة الصحيحة التي ستأتي أدلتها التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يعامل بها أهل خيبر وعمل بها الخلفاء الراشدون بعده وسائر الصحابة يؤيد ذلك أن ابن عمر الذي ترك كراء الأرض لما حدثه رافع كان يروي حديث أهل خيبر رواية من يفتي به ولأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاوضة وجيمع ذلك من أنواع الغرر والمؤاجرة أظهر في الغرر من المزارعة كما تقدم ومن يجوز المؤاجرة دون المزارعة يستدل بما رواه مسلم في صحيحه عن ثابت ابن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها فهذا صريح في النهي عن المزارعة والأمر بالمؤاجرة

وسيأتي عن رافع بن خديج الذي روى الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه لم ينههم النبي صلى الله عليه و سلم عن كرائها بشيء معلوم مضمون وإنما نهاهم عما كانوا يفعلونه من المزارعة وذهب جميع فقهاء الحديث الجامعون لطرقه كلهم كأحمد بن حنبل وأصحابه كلهم من المتقدمين والمتأخرين واسحق بن راهوية وأبي بكر بن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة زهير بن حرب وأكثر فقهاء الكوفيين كسفيان الثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة والبخاري صاحب الصحيح وأبي داود وجماهير فقهاء الحديث من المتأخرين: كابن المنذر وابن خزيمة والخطابي وغيرهم وأهل الظاهر وأكثر أصحاب أبي حنيفة إلى جواز المزارعة والمؤاجرة ونحو ذلك اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وسنة خلفائه وأصحابه وما عليه السلف وعمل جمهور المسلمين وبينوا معاني الأحاديث إلا أن يظهر اختلافها في هذا الباب فمن ذلك معاملة النبي صلى الله عليه و سلم لأهل خيبر هو وخلفاؤه من بعده إلى أن أجلاهم عمر فعن ابن عمر قال عامل رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع أخرجاه وأخرجا أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطى خيبر على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم لما افتتحت خيبر سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يقرهم فيها على أن يعملوها على نصف ما خرج منها من التمر والزرع فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا وكان الثمر على السهمان من نصف خيبر فيأخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم الخمس وفي رواية لمسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوهها من أموالهم وأن لرسول الله صلى الله عليه و سلم شطر ثمرتها وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى مأصر الكوفة

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطى خيبر أهلها على نصف نخلها وأرضها رواه الإمام أحمد وابن ماجه وعن طاوس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا رواه ابن ماجه وطاوس وكان باليمن وأخذ عن أصحاب معاذ الذين باليمن من أعيان المخضرمين وقوله وعمر وعثمان أي كانا يفعلان ذلك على عهد عمر وعثمان فحذف الفعل لدلالة الحال لأن المخاطبين كانوا يعلمون أن معاذ خرج من اليمن في خلافة الصديق وقدم الشام في خلافة عمر ومات بها في خلافته وقال البخاري في صحيحيه وقال قيس بن مسلم عن أبي جعفر تعين الباقر بالمدينة دار الهجرة فأمر ألا يزرعون على الثلث والربع قال وزارع علي وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر ابن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين وعامل عمر الناس على أن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا

وهذه الآثار التي ذكرها البخاري قد رواها غير واحد من المصنفين في الآثار فإذا كان جميع المهاجرين كانوا يزارعون والخلفاء الراشدون وأكابر الصحابة والتابعين من غير أن ينكر ذلك منكر لم يكن إجماع أعظم من هذا بل إن كان في الدنيا إجماع فهو هذا لا سيما وأهل بيعة الرضوان جميعهم زارعوا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعده إلى أن أجلى عمر اليهود وقد تأول من أبطل المزارعة والمساقاة ذلك بتأويلات مردودة مثل أن قالوا اليهود عبيد النبي صلى الله عليه و سلم والمسلمين فجعلوا ذلك مثل المخارجة بين العبد وسيده ومعلوم بالنقل المتواتر أن النبي صلى الله عليه و سلم صالحهم ولم يسترقهم حتى أجلاهم عمر ولم يبعهم ولا مكن أحدا من المسلمين من استرقاق أحد منهم ومثل أن قال هذه معاملة مع الكفار فلا يلزم أن تجوز مع المسلمين وهذا مردود فإن خيبر كانت قد صارت دار إسلام وقد أجمع المسلمون على أنه يحرم في دار الإسلام بين المسلمين وأهل العهد ما يحرم بين المسلمين من المعاملات الفاسدة ثم إنا قد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه و سلم عامل بين المهاجرين والأنصار وأن معاذ بن جبل عامل على عهده أهل اليمن بعد إسلامه على ذلك وأن الصحابة كانوا يعاملون بذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت