منها: أنه لو كان قصده مجرد نفي احتمال الانقطاع لكان التعميم بقوله: من مات منهم انتقل نصيبه أو التنبيه بقوله: من مات منه عن ولد انتقل نصيبه إلى ذوي طبقته هو الواجب فإنه إذا انتقل نصيبه إلى ذوي الطبقة مع الولد فمع عدمه أولى أما أن ينصف على انتقاله إليهم مع الولد لمجرد قوله: على ولدي ثم ولد ولدي مع أن احتمال الانقطاع هنا قائم مع احتمال آخر ينفرد به وهو الانتقال إلى الولد لأن احتمال انتقاله إلى ولد الولد هنا أظهر من احتمال الانقطاع ومع أن فهم التخصيص مع التقييد أظهر من فهم الانقطاع ومع أن دلالة قوله: على ولد ولدي في الانتقال إلى الطبقة مع عدم الولد من دلالته في الانتقال إليهم مع وجود الولد فقد أراد منا أن نفهم الكلام المقلوب ونخرج عن حدود العقل والبيان فإن تركه لرفع احتمال الانقطاع وغيره فيما هو فيه أظهر وعدوله عن العبارة المحققة لنفي الانقطاع مطلقا بلا لبس إلى عبارة هي في التقييد أظهر منها في مجرد نفي انقطاع بعض الصور دليل قاطع على أنه لم يقصد بذلك
ونظير هذا رجل قال لعبده: أكرم زيدا إن كان رجلا صالحا فأكرمه وكان غير صالح فلم يكرمه الغلام فقال له سيده: عصيت أمري ألم آمرك بإكرامه ؟ قال: قد قلت لي: إن كان صالحا فأكرمه قال: إنما قلت هذا لئلا تتوهم أني أبغض الصالحين فلا تكرمه مع صلاحه فنفيت احتمال التخصيص في هذه الصورة فهل يقبل هذا الكلام من عاقل أو ينسب الغلام إلى تفريط أو يقول للسيد: هذه العبارة دالة على التخصيص ولو كنت مثبتا للتعميم لكان الواجب أن تقول: أكرمه وإن لم يكن صالحا لأن إكرام الصالح يصير من باب التنبيه أو أكرمه وإن كان صالحا إن كان حبا لك صحيحا ؟ ؟
وكذا هنا يقول المنازع: هو نقله إلى الطبقة سواء كان له ولد أو لم يكن فإذا قيل له: فلم قيد النقل بقوله: على أنه من مات منهم عن غير ولد انتقل نصيبه إلى الطبقة ؟ قال: لينفي احتمال الانقطاع في هذه الصورة دون الصورة التي هي أولى بنفي الانقطاع فيها فيقال له: كان الكلام العربي في مثل هذا: على أنه من توفي منهم وإن كان له ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته أو يقول: على أنه من توفي منهم وإن لم يكن له ولد فيأتي بحرف العطف أما إذا قال: على أنه من توفي منهم على غير ولد فهذا نص في التقييد لا يقبل غيره ومن توهم غير هذا أو جوزه ولو على بعد أو جوز لعاقل أن يجوزه فلا ريب أنه خارج عن نعمة الله التي أنعم بها على الإنسان حيث علمه البيان وما ظني أنه لو ترك وفطرته توهم هذا ولكن قد يعرض للفطر آفات تصدها عن سلامتها كما نطقت به الأحاديث
ومنها: أن العاقل لا ينفي احتمالا بعيدا بإثبات احتمال أظهر منه ومعلوم أنه لو سكت عن هذا الشرط لكان احتمال الانقطاع في غاية البعد فإنه إما خلاف الاجماع أو معدد من الوجود السود وإذا ذكر الشرط صار احتمال التقييد وترتيب التوزيع احتمالا قويا أما ظاهرا عند المنازع أو قاطعا عند غيره فكيف يجوز أن يحمل كلام الواقف على المنهج الذميم دون الطريق الحميد مع إمكانه
ومنها: أن هذا الاحتمال لا يتفطن له إلا بعض الفقهاء ولعله لم يخلق في الإسلام إلا من زمن قريب واحتمال التقييد أمر لغوي موجود قبل الإسلام فكيف يحمل كلام واقف متقدم على الاحتراز من احتمال لا يخطر إلا بقلب الفرد من الناس بعد الفرد ولعله لم يخطر ببال الواقف دون أن يحمل على الاحتراز من احتمال قائم بقلب متكلم أو غالب المتكلمين: منذ علم آدم البيان
ومنها أن الواقف إذا كان قصده نفي احتمال الانقطاع في هذه الصورة بقوله: عن غير ولد أيضا صالح لا يكون نفى به احتمال الانقطاع في الصورة الأخرى ويكون نفى احتمال الانقطاع فيها بانتقال نصيب من مات عن ولد إلى ولده فإن هذا فيه صون هذا التقييد عن الإلغاء ورفع للإنقطاع في الصورتين ومعلوم أن حمل كلام الواقف على هذا أحسن من جعله مهدرا مبتورا
ومنها: أن هذا المقصود كان حاصلا على التمام لو قال: على أنه من مات منهم فزيادة اللفظ ونقص المعنى خطأ لا يجوز حمل كلام المتكلم عليه إذا أمكن أن يكون له وجه صحيح وهو هنا كذلك
ومنها: أن هذا الكلام مبني على أن قوله: على أولادي ثم على أولادهم مقتض لترتيب المجموع على المجموع وهذا الاقتضاء مشروط بعدم وصل اللفظ بما يقيده فإنه إذا وصل بما يقيده ويقتضي ترتيب الأفراد على الأفراد: مثل قوله: على أنه من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده ونحو ذلك من العبارات كان ذلك الاقتضاء منتفيا بالإتفاق وهذا اللفظ وهو قوله: على أنه من توفي منهم عن غير ولد ظاهر في تقييد الانتقال بعدم الولد وإنما يصرفه من يصرفه عن هذا الظهور لمعارضة الأول له وشرط كون الأول دليلا عدم الصلة المغيرة فيدور الأمر فتبطل الدلالة وذلك أنه لا يثبت كون الأول مقتضيا لترتيب المجموع إلا مع الانقطاع عن المغير ولا يثبت هنا الانقطاع عن المغير حتى يثبت أن هذا لا يدل على التغيير بل على معنى آخر ولا تثبت دلالته على ذلك المعنى حتى يثبت أن المتقدم دليل على ترتيب المجموع وهذا هو الدور وهو مصادرة على المطلوب فإنه جعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه
ومنها أن يقال: قوله عن غير ولد قيد في الانتقال أم لا ؟ فإن قال: ليس بقيد فهو مكابرة ظاهرة في اللغة وإن قال: هو قيد قيل له: فيجوز إثبات الحكم المقيد بدون قيده فإن قال: نعم بالدليل الأول قيل: فيجوز الاستدلال بأول الكلام مطلقا عما قيد به في آخره فإن قال: نعم ! علم أنه مكابر وإن قال: لا ثبت المطلوب وهذه مقدمات يقينية لا يقدح فيها كون الكلام له فوائد أخر ومن وقف عليها مقدمة لم يبق إلا معاندا أو مسلما للحق
ومنها: أنه إذا قيل بأن الوقف يكون منقطع الوسط إذا مات الميت عن غير ولد ولا يكون منقطعا إذا مات عن ولد: كان لهذا السؤال وجه لكن يكون حجة على المنازع فإنه إذا كان متصلا مع موته عن ولد فإن كان ينتقل إلى الولد فهو المطلوب وإن كان ينتقل إلى الطبقة: فمحال أن يقول فقيه: إنه ينتقل إلى الطبقة مع الولد ويكون منقطعا مع عدم الولد فثبت أن جعل هذا الكلام رفعا لاحتمال الانقطاع دليل ظاهر على انتقال نصيب المتولي عن ولده إلى ولده ودلائل هذا مثل المطر والله يهدي من يشاء إلى سواء الصراط
الوجه الثاني: في أصل المسألة أن قوله: على أولاده ثم على أولادهم مقتض للترتيب وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد وهنا جمعان: أحدهما مرتب على الآخر والأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان:
أحدهما: ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام سواء قدر وجود الفرد الآخر أو عدمه
والثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد فيكون وجود كل منها شرطا في ثبوت الحكم للآخر
مثال الأول قوله تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم } { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } ومثال الثاني قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس وكلا منهم مخاطب بالعبادة والطهارة وليس كل واحد من الأمة أمة وسطا ولا خير أمة
ثم العموم المقابل بعموم آخر قد يقابل كل فرد من هذا بكل فرد من هذا كما في قوله: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل وقد يقابل المجموع بالمجموع بشرط الاجتماع منهما كما في قوله: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } فإن الالتقاء ثبت لكل منهما حال اجتماعهما وقد يقابل شرط الاجتماع من أحدهما كقوله: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فإن مجموع الأمة خير للناس مجتمعين ومنفردين وقد يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد فيكون لكل واحد من العمومين واحد من العموم الآخر كما يقال: لبس الناس ثيابهم وركب الناس دوابهم فإن كل واحد منهم ركب دابته ولبس ثوبه وكذلك إذا قيل: الناس يحبون أولادهم أي: كل واحد يحب ولده ومن هذا قوله سبحانه: { والوالدات يرضعن أولادهن } أي: كل والدة ترضع ولدها بخلاف ما لو قلت: الناس يعظمون الأنبياء فإن كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء
فقول الواقف: على أولاده ثم على أولادهم: قد اقتضى ترتيب أحد العمومين على الآخر فيجوز أن يريد أن العموم الثاني بمجموعه مرتب على مجموع العموم الأول وعلى كل فرد من أفراده فلا يدخل شيء من هذا العموم الثاني في الوقف حتى ينقضي جميع أفراد العموم الأول ويجوز أن يريد ترتيبا يوزع فيه الأفراد على الأفراد فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم والده لا عند عدم والد غيره كما في قوله: { والوالدات يرضعن أولادهن } وقولهم: الناس يحبون أولادهم واللفظ صالح لكل المعنيين صلاحا قويا لكن قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى كما رجح الجمهور ترتيب الكل على الكل في قوله: وقفت على زيد وعمر وبكر ثم على المساكين فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على الآخر ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين ولعمرو هذا ولبكر هذا بخلاف قولنا: الناس يحبون أولادهم فإن المراد هنا من له ولد فصار أحد العمومين مقاوما للآخر وفي أولادهم من الإضافة ما اقتضى أن يعين لكل إنسان ولده دون ولد غيره
وكما يترجح المعنى الثاني في قوله سبحانه: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم } إلى آخره فإنه لم يحرم على كل واحد من الخاطبين جميع أمهات المخاطبين وبناتهم وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته وكذلك قوله: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } فإنه ليس لجمع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط وكذلك قوله: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } إنما معناه اتبع كل واحد ذريته ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء
وهذا كثير في الكلام: مثل أن يقول: الناس في ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون في أموالهم وينفقون على أولادهم وما أشبه ذلك
ثم الذي يوضح أن هذا المعنى قوي في الوقف ثلاثة أشياء:
أحدها: إن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده لا يؤخرون الانتقال إلى انقضاء الطبقة والكثرة دليل القوة بل والرجحان
الثاني: أن الوقف على الأولاد يقصد به غالبا أن يكون بمنزلة الموروث الذي لا يمكن بيعه فإن المقصود الأكبر انتفاع الذرية به على وجه لا يمكنهم إذهاب عينه
وأيضا فإن بين الوقف والميراث هنا شبه من جهة أن الانتقال إلى ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما ثم مثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث كما أطلقها الله تعالى في قوله: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } { ولهن الربع مما تركتم } لما فهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على الأفراد لا مقابلة المجموع بالمجموع ولا مقابلة كل واحد بكل واحد ولا مقابلة كل واحد بالمجموع كما لو قال الفقيه لرجل: مالك ينتقل إلى ورثتك ثم إلى ورثتهم فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه فليكن قوله: على أولادهم ثم على أولاد أولادهم كذلك إما صلاحا وأما ظهورا
الثالث: إن قوله: على أولادهم محال أن يحصل في هذه الاضافة مقابلة كل فرد بكل فرد فإن كل واحد من الأولاد ليس مضافا إلى كل واحد من الوالدين وإنما المعنى: ثم على ما لكل واحد من الأولاد فإذا قال: وقفت على زيد وعمر وبكر ثم على أولادهم فالضمير عائد إلى زيد وعمرو وبكر وهذه المقابلة مقابلة التوزيع