أما أهل العقل الصريح والكشف الصحيح فهم أئمة العلم والدين من مشايخ الفقه والعبادة الذين لهم في الأمة لسان صدق وكل من له في الأمة لسان صدق عام من أئمة العلم والدين المنسوبين إلى الفقه والتصوف فإنهم على الإثبات لا على النفي وكلامهم في ذلك كثير قد ذكرناه في غير هذا الموضع
وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى مثل قولهم: إن الباري لا تقوم به الأغراض ولكن تقوم به الصفات والصفات والأعراض في المخلوق سواء عندهم فالحياة والعلم والقدرة والإرادة والحركة والسكون في المخلوق وهو عندهم عرض
ثم قالوا في الحياة ونحوها: هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين والصفة القديمة باقية ومعلوم أن قوله العرض ما لا يبقى زمانين والصفة القديمة باقية ومعلوم أن قوله العرض ما لا يبقى زمانين هو فرق بدعوى وتحكم فإن الصفات في المخلوق لا تبقى أيضا زمانين عندهم فتسمية الشيء صفة أو عرضا لا يوجب الفرق لكنهم ادعوا أن صفة المخلوق لا تبقى زمانين وصفة الخالق تبقى فيمكنهم أن يقولوا العرض القائم بالمخلوق لا يبقى والقائم بالخالق باق هذا إن صح فقولهم إن الصفات التي هي الأعراض لا تبقى فأكثر العقلاء يخالفونهم في ذلك وذلك قولهم: إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة وأن كل موجود يرى حتى الطعم واللون وأن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرا بكل ما أمر به ونهيا عن كل ما نهى عنه وخبرا بكل ما أخبر به وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة وإن عبر بالسريانية فهو الإنجيل وأن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له وأن هذا المعنى يسمع بالأذن على قول بعضهم أن السمع عنده متعلق بكل موجود
وعلى قول بعضهم إنه لا يسمع بالأذن لكن بلطيفة جعلت في قلبه فجعلوا السمع من جنس الإلهام ولم يفرقوا بين الإيحاء إلى غير موسى وبين تكليم موسى ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو ذلك لأن هذه لا تقوم إلا بتحيز
وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز وجمهور العقلاء يقولون إن هذا فرق بين المتماثلين وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي الصفات بالمحل الذي تقوم به يدل على حدوثها
ثم قالوا: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه وكذلك في احتجاجهم على المعتزلة في مسألة القرآن فإن عمدتهم فيها أنه لو كان مخلوقا لم يخل إما أن يخلقه في نفسه أو في غيره أو لا في نفسه ولا في غيره وهذا باطل لأنه يستلزم قيام الصفة بنفسها والأول باطل لأنه ليس بمحل الحوادث والثاني باطل لأنه لو خلقه في محل لعاد حكمه على ذلك المحل فكان يكون هو المتكلم به فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ولم يعد على غيره كالعلم والقدرة والحياة
وهذا من أحسن ما يذكرونه من الكلام لكنهم نقضوه حيث منعوا أن تقوم به الأفعال مع اتصافه بها فيوصف بأنه خالق وعادل ولم يقم به خلق ولا عدل
ثم كان من قولهم الذي أنكره الناس إخراج الحروف عن مسمى الكلام وجعل دلالة لفظ الكلام عليها مجاز فأحب أبو المعالي ومن اتبعه كالرازي أن يخلصوا من هذه الشناعة فقالوا: اسم الكلام يقال بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الحروف الدالة عليه وهذا الذي قالوه أفسدوا به أصل دليلهم على المعتزلة فإنه إذا صح أن ما قام بغير الله يكون كلاما له حقيقة بطلت حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الكلام إذا قام بمحل عاد حكمه عليه وجاز حينئذ أن يقال إن الكلام مخلوق خلقه في غيره وهو كلامه حقيقة ولزمهم من الشناعة ما لزم المعتزلة حيث ألزمهم السلف والأئمة أن تكون الشجرة هي القائلة لموسى: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } مع أن أدلتهم في مسألة امتناع حلول الحوادث لما تبين للرازي ونحوه ضعفها لم يمكنه أن يعتمد في مسألة الكلام على هذا الأصل بل احتج بحجة سمعية هي من أضعف الحجج حيث أثبت الكلام النفساني بالطريقة المشهورة ثم قال: وإذا ثبت ذلك ثبت أنه واحد وأنه قديم لأن كل من قال ذلك قال هذا ولم يفرق أحد هكذا قرره في نهاية العقول
ومعلوم أن الدليل لا يصلح لإثبات مسألة فرعية عند محققي الفقهاء وقد بينا تناقضهم في هذه المسألة بقريب من مائة وجه عقلي في هذا الكتاب
وكان بعض الفقهاء وقد قال للفقيه أبي محمد بن عبد السلام في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ؟ فقال له أبو محمد: ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري وأيضا فهم في مسألة القدر يسوون بين الإرادة والمحبة والرضا ونحو ذلك ويتأولون قوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } أي بمعنى لا يريده لهم وعندهم أنه رضية وأحبه لمن وقع منه وكل ما وقع في الوجود من كفر وفسوق وعصيان فالله يرضاه ويحبه وكل ما لم يقع من طاعة وبر وإيمان فإن الله لا يحبه ولا يرضاه ثم إنهم إذا تكلموا مع سائر العلماء في أصول الفقه بينوا أن المستحب هو ما يحبه الله ورسوله وهو ما أمر به أمر استحباب سواء قدره أو لم يقدره وهذا باب يطول وصفه
الوجه الخامس عشر: أن يقال إن هذه القواعد التي جعلتموها أصول دينكم وظننتم أنكم بها صرتم مؤمنين بالله ورسوله وباليوم الآخر وزعمتم أنكم تقدمتم بها على سلف الأمة وأئمتها وبها دفعتم أهل الإلحاد من المتفلسفة والمعتزلة ونحوه هي عند التحقيق تهدم أصول دينكم وتسلط عليكم عدوكم وتوجب تكذيب نبيكم والطعن في خير قرون هذه الأمة
وهذا أيضا فيما فعلتموه في الشرعيات والعقليات أما الشرعيات فإنكم لما تأولتم من نصوص الصفات الإلهية تأولت المعتزلة ما قررتموه أنتم واحتجوا بمثل حجتكم ثم زادت الفلاسفة وتأولوا ما جاءت به النصوص الإلهية في الإيمان باليوم الآخر وقالت المتفلسفة مثل ما قلتم لإخوانكم المؤمنين ولم يكن لكم حجة على المتفلسفة فإنكم إذا احتججتم بالنصوص تأولوها ولهذا كان غايتكم في مناظرة هؤلاء أن تقولوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر بمعاد الأبدان وأخبر بالفرائض الظاهرة كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان ونحو ذلك لجميع البرية والأمور الضرورية لا يمكن القدح فيها
فإن قال لكم المتفلسفة: هذا غير معلوم بالضرورة كان جوابكم أن تقولوا: هذا جهل منكم أو تقولوا: إن العلوم الضرورية لا يمكن دفعها عن النفس ونحن نجد العلم بهذا أمرا ضروريا في أنفسنا
وهذا كلام صحيح منكم لكن في هذا نقول لكم: المثبتة أهل العلم بالقرآن وتفسيره المنقول عن السلف والأئمة وبالأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعين نحن نعلم بالاضطرار أنها أثبت الصفات وأن الله فوق العالم والعلم بهذا ضروري عندهم كما ذكرتم أنتم في معاد الأبدان والشرائع الظاهرة بل لعل العلم بهذا أعظم من العلم ببعض ما تنازعكم فيه المعتزلة والفلاسفة من أمور المعاد كالصراط والميزان والحوض والشفاعة ومسألة منكر ونكير
وأيضا فالعلم بعلو الله على عرشه ونحو ذلك يعلم بضرورية عقلية وأدلة عقلية يقينية لا يعلم بمثلها معاد الأبدان فالعلوم الضرورية والأدلة السمعية والعقلية على ما نفيتموه من علو الله على خلقه ومباينته لهم ونحو ذلك أكمل وأقوى من العلوم الضرورية والأدلة السمعية العقلية على كثير مما خالفكم فيه المعتزلة بل والفلاسفة
ولهذا يوجد عن كثير من السلف موافقة المعتزلة في بعض ما خالفتموهم فيه كما يوجد عن بعض السلف إنكار سماع الذي في القبر للأصوات وعن بعض السلف إنكار المعراج بالبدن وأمثال ذلك ولا يوجد عن واحد منهم موافقتكم على أن الله ليس بداخل العالم ولا خارجه وأنه ليس فوق العالم بل ولا على ما نفيتموه من الجسم وملازمه
وكذلك المعتزلة وإن كانوا ضالين في مسألة إنكار الرؤية فمعهم فيها من الظواهر التي تأولوها والمقاييس التي اعتمدوا عليها أعظم مما معكم في إنكار مباينة الله لمخلوقاته وعلوه على عرشه
ومن العجب أنكم تقولون إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج وهذه مسألة نزاع بين الصحابة أو تقولون رآه بعينه ولم يقل ذلك أحد منهم ثم تقولون إن محمدا لم يعرج به إلى الله فإن الله ليس هو فوق السموات فتنكرون ما اتفق عليه السلف وتقولون بما تنازعوا فيه ولم يقله أحد منهم
فالمعتزلة في جعلهم المعراج مناما أقرب إلى السلف وأهل السنة منكم حيث قلتم رآه بعينه ليلة المعراج وقلتم مع هذا إنه ليس فوق السموات رب يعرج إليه فهذا النفي أنتم والمعتزلة فيه شركاء وهم امتازوا بقولهم المعراج مناما وهو قول مأثور عن طائفة من السلف وأنتم امتزتم بقولكم رآه بعينه وهذا لم يثبت عن أحد من السلف وإنما نقل عنهم بأسانيد ضعيفة