وأما قول السائل: إذا قيل بالجواز فهل يجب ؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه ؟
فيقال: لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا ولاريب أن أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم
وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك
وأما قوله: هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصل إلى القطع ؟
فيقال: الصواب في ذلك التفصيل فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية التي قد يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعها ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين وقد يوجبون القطع فيها على كل أحد فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها
ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه فإنهم كثيرا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات فضلا عن أن تكون من الظنيات حتى أن الشخص الواحد منهم كثيرا ما يقطع بصحة حجة في موضع ويقطع ببطلانها في موضع آخر بل منهم من غاية كلامه كذلك وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الاخر
وأما التفصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك كقوله: { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } وقول: { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } ولذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله: { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله صلى الله عليه و سلم: [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ] أخرجاه في الصحيحين
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة من هذه المسائل الدقيقة قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين لا شرعي ولا غيره لم يجب على مثل هذا في ذلك مالا يقدر عليه وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين بل ذلك هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقا للحق فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه
لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في إثبات ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى لبني آدم: { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لايضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وقرأ هذه الآية
وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:[
ستكون فتنة قلت: فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: { إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد } من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ]
قال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } وقال تعالى: { المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج } إلى قوله: { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }
وقال تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون }
وقوله سبحانه أنه سيجزي الصادق عن آياته مطلقا سواء كان مكذبا أو لم يكن سوء العذاب بما كانوا يصدقون يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به أو أعرض عنه اتباعا لما يهواه أو ارتاب فيما جاء به فكل مكذب بما جاء به فهو كافر وقد يكون كافرا من لا يكذبه اذا لم يؤمن به ولهذا أخبر الله في غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك إتباع ما أنزله وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات وأمور غير ذلك وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين قال تعالى: { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } وقال تعالى: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } وقال تعالى: { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنو } وقال تعالى: { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله }
والسلطان هو الحجة المنزلة من عند الله كما قال تعالى: { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } وقال تعالى: { أم لكم سلطان مبين * فاتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } وقال تعالى: { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } وقد طالب سبحانه لمن اتخد دينا بقوله: { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم } فالكتاب الكتاب والإثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد يكتب بالخط وذلك لأن الإثارة فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيد بالخط فيكون كل ذلك من آثاره
وقال تعالى في نعت المنافقين: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا }
وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار
فمن كان خطأه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لإتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطأه كما قال تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } إلى قوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وقد ثبت في صحيح مسلم أن الله قال: قد فعلت
وكذلك ثبت فيه من حديت ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقرأ بحرف من هاتين الآيتين ومن سورة الفاتحة إلا أعطي ذلك فهذا يبين إستجابة هذا الدعاء للنبي والمؤمنين وأن الله لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا
وأما قول السائل: هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحال هذه
فيقال: هذه العبارة وإن تنازع الناس فيها نفيا وإثباتا فينبغي أن يعرف أن الخلاف المحقق فيها نوعان:
أحدهما: ما اتفق الناس على جوازه ووقوعه وإنما تنازعوا في إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق
والثاني: ما اتفقوا على أنه لا يطاق لكن تنازعوا في جواز الأمر به ولم يتنازعوا في عدم وقوعه فأما أن يكون أمر اتفق أهل العلم والإيمان على أنه لا يطاق وتنازعوا في وقوع الأمر به فليس كذلك
فالنوع الأول: كتنازع المتكلمين من مثبتة القدر ونفاته في استطاعة العبد وهي قدرته وطاقته هل يجب أن تكون مع الفعل أو يجب أن تكون متقدمة على الفعل ؟ فمن قال بالأول لزمه أن يكون كل عبد لم يفعل ما أمر به قد كلف ما لا يطيقه إذا لم يكن عنده قدرة إلا مع الفعل ولهذا كان الصواب الذي عليه محققو المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم مادل عليه القرآن وهو أن الاستطاعة التي هي مناط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي المصححة للفعل لايجب أن تقارن الفعل
وأما الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل فهي مقارنة له
فالأول: كقوله: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وقول النبي صلى الله عليه و سلم لعمران بن حصين: [ وصل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ] ومعلوم أن الحج والصلاة يجب على المستطع سواء فعل أو لم يفعل فعلم أن هذه الاستطاعة لا تجب أن تكون مع الفعل
والثانية: كقوله تعالى: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وقوله تعالى: { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا } وهذه حال من صده هواه ورأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها فقد أخبر أنه لايستطيع ذلك وهذه الاستطاعة هي المقارنة للفعل الموجبة له
وأما الأولى: فلولا وجودها لم يثبت التكليف بقوله: { فاتقوا الله ما استطعتم } وقوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها } وأمثال ذلك فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم يستطيعوا سمع ماأنزل إلى الرسول فهم من هذا القسم
وكذلك أيضا تنازعهم في المأمور به الذي علم الله أنه لا يكون أو أخبر مع ذلك أنه لا يكون فمن الناس من يقول أن هذا غير مقدور عليه كما أن غالية القدرية يمنعون أن يتقدم علم الله وخبره وكتابه بأنه لا يكون وذلك لاتفاق الفريقين على أن خلاف المعلوم لا يكون ممكنا ولا مقدورا عليه وقد خالفهم في ذلك جمهور الناس وقالوا: هذا منقوض عليهم بقدرة الله تعالى وقالوا: إن الله يعلمه على ماهو عليه فيعلمه ممكنا مقدورا للعبد غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له أو لبغضه إياه ونحو ذلك لا لعجزه عنه وهذا النزاع يزول بتنويع القدرة كما تقدم فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل وإن كان مقدورا القدرة المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي
وأما النوع الثاني: فكاتفاقهم على أن العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا يطيق الأعمى والأقطع والزمن نقط المصحف وكتابته والطيران فمثل هذا النوع قد اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلا حتى نازع بعضهم في الممتنع لذاته كالجمع بين الضدين والنقيضين هل يجوز الأمر به من جهة العقل مع أن ذلك لم يرد في الشريعة
ومن غالى فزعم وقوع هذا الضرب في الشريعة كمن يزعم أن أبا لهب كلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فهو مبطل في ذلك عند عامة أهل القبلة من جميع الطوائف بل إذا قدر أنه أخبر بصليه النار المستلزم لموته على الكفر وأنه سمع هذا الخطاب ففي هذا الحال انقطع تكليفه ولم ينفعه الإيمان حينئذ كإيمان من يؤمن بعد معاينة العذاب قال تعالى: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } وقال تعالى: { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين }
والمقصود هنا التنبيه على أن النزاع في هذا الأصل يتنوع تارة إلى الفعل المأمور به وتارة إلى جواز الأمر ومن هنا من شبه من المتكلمين على الناس حيث جعل القسمين قسما واحدا وادعى تكليف ما لا يطاق مطلقا لوقوع بعض الأقسام التي لا يجعلها عامة المسلمين من باب ما لا يطاق والنزاع فيها لا يتعلق بمسائل الأمر والنهي وإنما يتعلق بمسائل القضاء والقدر
ثم أنه جعل جواز هذا القسم مستلزما لجواز القسم الذي اتفق المسلمون على أنه غير مقدور عليه وقاس أحد النوعين بالآخر وذلك من الأقيسة التي اتفق المسلمون بل وسائر أهل الملل بل وسائر العقلاء على بطلانها فإن من قاس الصحيح المأمور بالأفعال لقوله إن القدرة مع الفعل أو أن الله علم أنه لا يفعل على العاجز الذي لو أراد الفعل لم يقدر عليه فقد جمع بين ما علم الفرق بينهما بالاضطرار عقلا ودينا وذلك من مثل الأهواء بين القدرية وإخوانهم الجبرية
وإذا عرف هذا فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام كإطلاق القول بأن الناس مجبرون على أفعالهم وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه وإن قصد به الرد على القدرية الذين لا يقرون بأن الله خالق أفعال العباد ولا بأنه شاء الكائنات وقالوا: هذا رد بدعة ببدعة وقابل الفاسد والباطل بالباطل ولولا أن هذا الجواب لا يحتمل البسط لذكرت من نصوص أقوالهم في ذلك ما يبين ردهم لذلك
وأما إذا فصل مقصود القائل وبين بالعبارة التي لا يشتبه فيها الحق بالباطل هو الحق وميز بين الحق والباطل كان هذا من الفرقان وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفتهم الأئمة بأنهم مختلفون في كتاب الله مخالفون لكتاب الله متفقون على ترك كتاب الله وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويحرفون الكلم عن الواضعة ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم
ولهذا كان يدخل عندهم المجبرة في مسمى القدرية المذمومين لخوضهم في القدر بالباطل إذ هذا جماع المعنى الذي ذمت به القدرية ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد على القدرية وقولهم أن الله أجبر العباد على المعاصي ثم روى عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلا في القرآن ولا في السنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما وضعت هذا مخافة أن يرتاب رجل من أهل الجماعة والتصديق
فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة
أما الزبيدي فمحمد بن الوليد صاحب الزهري فإنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل فنفى الجبر وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة هو: إلزام الإنسان بخلاف رضاه كما تقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة على النكاح أو لا تجبر ؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره فقال: الله أعظم من أن يجبر أويعضل لأن الله سبحانه قادر على أن يجعل العبد محبا راضيا لما يفعله ومبغضا وكارها لما يتركه كما هو الواقع فلا يكون العبد مجبورا على ما يختاره ويرضاه ويريده وهي أفعاله الاختيارية ولا يكون معضولا عما يتركه فيبغضه ويكرهه ولا يريده وهي تروكه الاختيارية
وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ وإن عنى به هذا المعنى حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة فيفضي إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل وذلك لا يسوغ وإن قيل أنه أريد به معنى صحيح
قال الخلال: أنبأنا المروزي قال: سمعت بعض المشيخة يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنكر سفيان الثوري الجبر وقال: الله تعالى جبل العباد قال المروزي: أظنه أراد قول النبي صلى الله عليه و سلم لأشج عبد القيس يعني: قوله الذي في صحيح مسلم: [ أن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال: بل خلقين جبلت عليهما فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى ]
ولهذا احتج البخاري وغيره على خلق الأفعال بقوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } فأخبر تعالى أنه خلق الإنسان على هذه الصفة
وجواب الأوزاعي أقوم من جواب الزبيدي لأن الزبيدي نفى الجبر والأوزاعي منع إطلاقه إذ هذا اللفظ يحتمل معنى صحيحا فنفيه قد يقتضي نفي الحق والباطل كما ذكر الخلال ما ذكره عبدالله بن أحمد في كتاب السنة فقال لنا محمد بن بكار ثنا أبو معشر عن محمد بن كعب أنه قال: إنما سمي الجبار لأنه يجبر الخلق على ما أراد
فإذا امتنع من إطلاق اللفظ المجمل المشتبه زال المحذور وكان أحسن من نفيه وإن كان ظاهرا في المعنى الفاسد خشيه أن يظن أنه ينفي المعنيين جميعا
وهكذا يقال في نفي الطاقة على المأمور فإن إثبات الجبر في المحظور نظير سلب الطاقة في المأمور
وهكذا كان يقول الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة قال الخلال: أنبأنا الميمون قال: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يناظر خالد بن خداش يعني في القدر فذكروا رجلا فقال أبو عبد الله: إنما أكره من هذا أن يقول أجبر الله
وقال: أنبأنا المروزي قلت لأبي عبدالله: رجل يقول إن الله أجبرالعباد فقال: هكذا لا تقل وأنكر هذا وقال: يضل من يشاء ويهدي من يشاء
وقال: أنبأنا المروزي قال: كتب إلى عبد الوهاب في أمر حسن بن خلف العكبري وقال انه تنزه عن ميراث أبيه فقال رجل قدري: إن الله لم يجبر العباد على المعاصي فرد عليه أحمد بن رجاء فقال: إن الله جبر العباد على ما أراد أراد بذلك إثبات القدر فوضع أحمد بن علي كتابا يحتج فيه فأدخلته على أبي عبد الله فأخبرته بالقصة فقال: ويضع كتابا وأنكر عليهما جميعا: على ابن رجاء حين قال جبر العباد وعلى القدري الذي قال لم يجبر وأنكر على أحمد في وضعه الكتاب واحتجاجه وأمر بهجرانه لوضعه الكتاب وقال لي: يجب على ابن رجاء أن يستغفر ربه لما قال جبر العباد فقلت لأبي عبد الله: فما الجواب في هذه المسألة ؟ قال: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء
قال المروزي في هذه المسألة: انه سمع أبا عبد الله لما أنكر على الذي قال لم يجبر وعلى من رد عليه جبر فقال أبوعبد الله كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها وقال: يستغفر ربه الذي رد عليهم بمحدثه وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام إذا لم يكن له فيها إمام مقدم قال المروزي: فما كان بأسرع من أن قدم أحمد بن علي من عكبرا ومعه شيخه وكتاب من أهل عكبرا فأدخلت أحمد بن علي على أبي عبدالله فقال: يا أبا عبدالله هو ذا الكتاب أدفعه إلى أبي بكر حتى يقطعه وأنا أقوم على منبر عكبرا وأستغفر الله عز و جل فقال أبو عبدالله لي: ينبغي أن تقبلوا منه فرجعوا إليه
وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع وتكلمنا على الأصل الفاسد الذي ظنه المتفرقون من إثبات المعنى الحق الذي يسمونه جبرا ينافي الأمر والنهي حتى جعله القدرية منافيا للأمر والنهي مطلقا وجعله طائفة من الجبرية منافيا لسحن الفعل وقبحه وجعلوا ذلك مما اعتمدوه في نفي حسن الفعل وقبحه القائم به المعلوم بالعقل ومن المعلوم أنه لا ينافي ذلك إلا كما ينافيه بمعنى كون الفعل ملائما للفاعل ونافعا له وكونه منافرا للفاعل وضارا له