فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 52006 من 346740

الوجه الثامن والستون: أن يقال هذه الحجة من أفسد الحجج عند التأمل وذلك أن هذا المثل المضروب أكثر ما فيه جواز أن يكون اللفظ الواحد مشركا بين معاني أمر ونهي وخبر كما قد قيل في قول القائل ويل له أنه دعاء وخبر ولا ريب أن الصيغة الواحدة يراد بها الأمر تارة والخبر أخرى كقول القائل غفر الله لفلان ورحمه وأحسن إليه وأدخله الجنة وأجاره من النار ونعم عليه نعما عظيمة فإن هذا في الأصل خبر وهو كثير مستعمل في الدعاء الذي هو طلب وكذلك صيغة أفعل هي أمر في الأصل وقد تضمن معنى النهي والتهديد كما قد قيل في قوله: { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير }

ولكن هل يجوز أن يراد باللفظ الواحد المشترك بين معنيين إما الأمر والخبر أو الأمر والنهي أو غير ذلك كلا المعنيين على سبيل الجمع هذا فيه نزاع مشهور بين أهل الفقه والأصول وغيرهم والنزاع مشهور في مذهب أحمد و الشافعي و مالك وغيرهم وبين المعتزلة بعضهم مع بعض وبين الأشعرية أيضا و الرازي يختار أن ذلك لا يجوز موافقة لأبي الحسن البصري ولم يجعل المانع من ذلك أمرا يرجع إلى القصد فإن قصد المعنيين جائز ولكن المانع أمر يرجع إلى الوضع وهو أن أهل اللغة إنما وضعوه لهذا وهذه ولهذا وهذه فاستعماله فيها جميعا استعمال في غير ما وضع له

ولهذا كان المرجح قول المسوغين لأن استعماله فيهما غايته أن يكون استعمالا له في غير ما وضع له وذلك يسوغ بطريق المجاز ولا مانع لأهل اللغة من أن يستعملوا اللفظ في غير موضوعه بطريق المجاز على أن إطلاق القول بأن هذا استعمال له في غير موضوعه فيه نزاع كالطلاق القول في اللفظ العام المخصوص أنه استعمال له في غير موضوعه ومنه استعمال صيغة الأمر في الندب ونحو ذلك فإن طوائف من الناس يقولون بعض المعنى ليس هو غيره فلا يكون ذلك استعمالا له في غير موضعه ولا يجعلون اللفظ بذلك مجازا وهذا قول أئمة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الطيب وغيرهما واستعمال اللفظ المشترك في معنييه ضد استعمال العام في بعض معناه فإنه موضوع لهذا مفردا ولهذا مفردا فجمع بين معنييه ومثل هذا لا يقر مثل هؤلاء بأنه عين معناه إذ هو معناه مفردا ومعه غيره

وكما أن بعض الشيء ليس بغير له عندهم فلا يصير الشيء غيرا لنفسه بالزيادة عليه لا سيما إذا كان المزيد نظيره وليس المقصود هنا تكميل القول في هذه المسألة ولكن نبين حقيقة ما يحتج به هؤلاء فإن هذا المثل الذي ضربوه مضمونه أن يجعل اللفظ موضوعا لأمر ونهي وخبر ويقصد بالخطاب به إفهام كل معنى لمخاطب غير المخاطب الأول وهذا جائز في المعقول لكن ليس هذا مما ادعوه في الكلام بشيء وذلك أن النزاع ليس هو في أن اللفظ الواحد يدل على حقائق مختلفة فإن هذا لا ينازع فيه أحد ولا حاجة فيه إلى ضرب المثل بل دلالة الألفاظ الموضوعة على حقائق مختلفة كثير جدا وإن كان اللفظ خبرا أو أمرا لكن ويدل على حقائق مختلفة وإنما النزاع في المعاني المختلفة التي هي مدلول جميع الألفاظ التي أنزلها الله هل هو معنى واحد فالنزاع في المعاني المعقولة من الألفاظ وهي أمر الله بكذا وأمره بكذا أو نهيه عن كذا ونهيه عن كذا أو خبره بكذا وخبره بكذا هل هو شيء واحد والمعاني لا تتبع وضع واضع ومن العجب أن هؤلاء إذا احتجوا على أن الكلام هو معنى في النفس قالوا إن مدلول العبارات والإشارات لا يختلف باختلاف اللغات ولا بقصد الواضعين المتكلمين ثم يحتجون على أنه واحد بجواز أن يجعل الواضع اللفظ الواحد موضوعا لمعان متعددة وأين هذا من هذا فإن دلالة اللفظ على المعنى يتبع قصد المتكلم والإرادة فإنه بالقصد والإرادة كان هذا المعنى وهذا اللفظ يدل على هذا المعني لأن اللفظ صار كذلك بذاته أو بطبعه لكن تنازع الناس هل بين اللفظ والمعنى مناسبة لأجلها خصص الواضعون هذا اللفظ بهذا المعنى على قولين:

أصحهما أنه لا بد من المناسبة وليست موجبة بالطبع حتى يقال فذلك يختلف باختلاف الأمم بل هي مناسبة داعية والمناسبة تتنوع بتنوع الأمم كتنوع الأفعال الإرادية ولو قيل إنه بالطبع فطباع الأمم تختلف سواء في ذلك طبعهم الاختياري فتبين أن هذا المثل الذي ضربوه في غاية البعد عما قصدوه إذ ما ذكروه هو اللفظ الدال على معان وهذا لا نزاع فيه ومقصودهم أن المعاني التي هي في نفسها لكل معنى حقيقة هل هي في نفسها شيء واحد وذلك لا يكون بقصد واضع ولا إرادته ولا وضعه والإمكان هنا ليس هو إمكان أن يجعل هذا هذا بل المسؤول عنه الإمكان الذهني وهو أنه هل يمكن في العقل أن يكون المعنى المعقول من صيغ الأمر هو المعنى المعقول من صيغ الخبر وأن يكون نفس ما يقوم بالنفس من الأمر بهذا الخبر عنه هو بعينه ما يقوم بالنفس من الأمر بغيره والخبر عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت