و العبادة أصلها الصد والإرادة والعبادة إذا افردت دخل فيها التوكل ونحوه وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيما لها كما ذكرناه في لفظ الإيمان قال تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقال تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } فهذا ونحوه يدخل فيه فعل المأمورات وترك المحظورات والتوكل من ذلك وقد قال في موضع آخر: { إياك نعبد وإياك نستعين } وقال: { فاعبده وتوكل عليه }
ومثل هذا كثيرا ما يجيء في القرآن: تتنوع دلالة اللفظ في عمومه وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران كلفظ المعروف والمنكر فإنه قد قال: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } وقال: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقال: { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } فالمنكر يدخل فيه ما كرهه الله كما يدخل في المعروف ما يحبه الله
وقد قال في موضع آخر: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فعطف المنكر على الفحشاء ودخل في المنكر هنا البغي وقال في موضع آخر: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } فقرن بالمنكر الفحشاء والبغي
ومن هذا الباب لفظ الفقراء والمساكين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر وإذا قرن أحدهما بالآخر صار بينهما فرق لكن هناك أحد الاسمين أعم من الآخر وهنا بينهما عموم وخصوص فمحبة الله وحده والتوكل عليه وحده وخشية الله وحده ونحو هذا كل هذا يدخل في توحيد الله تعالى قال تعالى في المحبة: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } قال تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } وقال تعالى: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وقال تعالى: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } وقال تعالى: { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } فجعل التحسب والرغبة إلى الله وحده
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن قول القائل: ( لا إله إلا أنت ) فيه إفراد الإلهية لله وحده وذلك يتضمن التصديق لله قولا وعملا فالمشركون كانوا يقرون بأن الله رب كل شيء لكن كانوا يجعلون معه آلهة أخرى فلا يخصونه بالإلهية وتخصيصه بالإلهية يوجب أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يسأل غيره كما في قوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } فإن الإنسان قد يقصد سؤال الله وحده والتوكل عليه لكن في أمور لا يحبها الله بل يكرهها وينهى عنها فهذا وإن كان مخلصا له في سؤاله والتوكل عليه لكن ليس هو مخلصا في عبادته وطاعته وهذا حال كثير من أهل التوجهات الفاسدة أصحاب الكشوفات والتصرفات المخالفة لأمر الله ورسوله فإنهم يعانون على هذه الأمور
وكثير منهم يستعين الله عليها لكن لما لم تكن موافقة لأمر الله ورسوله حصل لهم نصيب من العاجلة وكانت عاقبتهم عاقبة سيئة قال تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } وقال تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه }
وطائفة أخرى يقصدون طاعة الله ورسوله لكن لا يحققون التوكل عليه والاستعانة به فهؤلاء يثابون على حسن نيتهم وعلى طاعتهم لكنهم مخذولون فيما يقصدونه إذ لم يحققوا الاستعانة بالله والتوكل عليه ولهذا يبتلى الواحد من هؤلاء بالضعف والجزع تارة وبالاعجاب أخرى فإن لم يحصل مراده من الخير كان لضعفه وربما حصل له جزع فإن حصل مراده نظر إلى نفسه وقوته فحصل له إعجاب وقد يعجب بحاله فيظن حصول مراده فيخذل قال تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } إلى قوله: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم }
وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب الاشراك بالخلق والعجب من باب الاشراك بالنفس وهذا حال المستكبر فالمرائي لا يحقق قوله: { إياك نعبد } والمعجب لا يحقق قوله: { إياك نستعين } فمن حقق قوله: { إياك نعبد } خرج عن الرياء ومن حقق قوله: { إياك نستعين } خرج عن الإعجاب وفي الحديث المعروف: [ ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ]
وشر من هؤلاء وهؤلاء من لا تكون عبادته لله ولا استعانته بالله بل يعبد غيره ويستعين غيره وهؤلاء المشركون من الوجهين
ومن هؤلاء من يكون شركه بالشياطين كأصحاب الأحوال الشيطانية فيفعلون ما تحبه الشياطين من الكذب والفجور ويدعونه بأدعية تحبها الشياطين ويعزمون بالعزائم التي تطيعها الشياطين مما فيها إشراك بالله كما قد بسط الكلام عليهم في مواضع أخر وهؤلاء قد يحصل لهم من الخوارق ما يظن أنه من كرامات الأولياء وإنما هو من أحوال السحرة والكهان ولهذا يجب الفرق بين الأحوال الإيمانية القرآنية والأحوال النفسانية والأحوال الشيطانية
وأما القسم الرابع: فهم أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله فلم يعبدوا إلا إياه ولم يتوكلوا إلا عليه
وقول المكروب: ( لا إله إلا أنت ) قد يستحضر في ذلك أحد النوعين دون الآخر فمن أتم الله عليه النعمة استحضر التوحيد في النوعين فإن المكروب همته منصرفة إلى دفع ضره وجلب نفعه فقد يقول لا إله إلا الله مستشعرا أنه لا يكشف الضر غيرك ولا يأتي بالنعمة إلا أنت فهذا مستحضر توحيد الربوبية ومستحضر توحيد السؤال والطلب والتوكل عليه معرض عن توحيد الإلهية الذي يحبه الله ويرضاه ويأمر به وهو أن لا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بطاعته وطاعة رسوله فمن استشعر هذا في قوله: { لا إله إلا أنت } كان عابدا لله متوكلا عليه وكان ممتثلا قوله: { فاعبده وتوكل عليه } وقوله: { عليه توكلت وإليه أنيب } وقوله: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا }
ثم إن كان مطلوبه محرما أثم وإن قضيت حاجته وإن كان طالبا مباحا لغير قصد الاستعانة به على طاعة الله وعبادته لم يكن آثما ولا مثابا وإن كان طالبا ما يعينه على طاعة الله وعبادته لقصد الاستعانة به على ذلك كان مثابا مأجورا
وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول خلفائه وبين النبي الملك فإن نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا فإن العبد الرسول هو الذي لا يفعل إلا ما أمر به ففعله كله عبادة لله فهو عبد محض منفذ أمر مرسله كما ثبت عنه في صحيح البخاري أنه قال: [ ففعله كله عبادة لله فهو عبد محض منفذ أمر مرسله كما ثبت عنه في صحيح البخاري أنه قال: إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم اضع حيث أمرت ] وهو لم يرد بقوله لا أعطي أحدا ولا أمنع إفراد الله بذلك قدرا وكونا فإن جميع المخلوقين يشاركونه في هذا فلا يعطي أحدا ولا يمنع إلا بقضاء الله وقدره وإنما أراد إفراد الله بذلك شرعا ودينا أي لا أعطي إلا من أمرت بإعطائه ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه فأنا مطيع لله في إعطائي ومنعي فهو يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين أهلها لأن الله أمره بهذه القسمة
ولهذا كان المال حيث أضيف إلى الله ورسوله فالمراد به ما يجب أن يصرف في طاعة الله ورسوله ليس المراد به أنه ملك للرسول كما ظنه طائفة من الفقهاء ولا المراد به كونه مملوكا لله خلقا وقدرا فإن جميع الأموال بهذه المثابة وهذا كقوله: { قل الأنفال لله والرسول } وقوله: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } الآية وقوله: { وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } إلى قوله: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى }