الوجه الرابع والستون: إنهم لم يذكروا في الجواب عما أخبر الله به عن نفسه من أن له كلمات ما له حقيقة فإنهم يقولون ليس لله كلام إلا معنى واحد لا يجوز عليه التعدد والله سبحانه قد أخبر أن له كلمات وأن البحار لو كانت مدادها والأشجار أقلامها لما نفدت تلك الكلمات وهذا صريح بأن لها من التعداد ما لا يأتي عليه إحصاء العباد فكيف يقال ليس له كلمتان فصاعدا
وأما قولهم التكثير للتفخيم كقوله { إنا نحن نزلنا الذكر } فيقال لهم إنما يستعمل في المواضع التي تصرح بأن المعنى بذلك اللفظ هو واحد والله سبحانه قد بين في غير موضع أنه واحد فإذا قال: { إنا نحن نزلنا الذكر } { إنا فتحنا } وقد علم المخاطبون أنه واحد علم أن ذلك لم يقتض أن ثم آلهة متعددة لكن قال بعض الناس صيغة الجمع في مثل هذا دلت على كثرة معاني أسمائه وهذا مناسب وأما الكلام فلم يذكر الله قط ولا قال أحد من المسلمين قبل ابن كلاب أن كلام الله ليس إلا معنى واحدا ولا خطر هذا بقلب أحد فكيف يقال إنه أراد بصيغة الجمع الواحد ولهذا لا يكاد يوجد هذا في صيغة التكلم في حق الله أو صيغة المخاطبة له كما قد قيل في قوله: { رب ارجعون } وأما تمثيلهم ذلك بقوله: { إن إبراهيم كان أمة } أي مثل أمة فليس كذلك بل الأمة كما فسره عبد الله بن مسعود وغيره هو معلم الخير وهو القدوة الذي يؤتم به أي يقتدى به فأمة من الائتمام كقدوة من الاقتداء وليس هو مستعارا من الأمة الذين هم جيل وكذلك قوله: { ونضع الموازين القسط } وإنما هو ميزان واحد ليس كذلك بل الجمع مراد من هذا اللفظ إما لتعدد الآلات التي توزن بها أو لتعدد الأوزان وأما ما ذكروه من كثرته لكثرة المعاني التي دلت عليها العبارات عنه فهذا حق لكن إذا كانت العبارات دلت على معان كثيرة علم أن معاني العبارات لكلام الله كثيرة ليس هو معنى واحدا وهو المطلوب