إما أن تجوزوا حوادث لا أول لها فيبطل دليلكم عليهم الذي أثبتم به حدوث العالم وهو أصل الأصول عندكم
وإما أن لا تجوزوا ذلك فيبطل أيضا دليلكم على حدوث العالم فعلى كلا التقديرين دليلكم الذي هو أصل أصولكم على حدوث العالم باطل
وأما المعتزلة فهم يوافقونكم على هذا الأصل لكن خطاب الفلاسفة لهم كخطاب الفلاسفة لكم وأما خطاب المعتزلة فإنهم يقولون لكم: إذا ما سلمتم أن ما تقوم به الحوادث لا يكون إلا جسما إذ لا فرق في المعقول بين قيام الأعراض والحوادث وإذا كان ما قام به الأعراض لا يكون إلا جسما وأنتم قد قلتم تقوم به الصفات وهي في الحقيقة الأعراض لزم أن يكون جسما والجسم حادث فيلزم أن يكون حادثا
ويقول لكم المعتزلي: إن قيام الكلام والحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك بمحل ليس بجسم ودعوى أن هذه الصفات ليست أعراضا أمر معلوم الفساد بالضرورة
وكان جوابكم للمعتزلة في هذا المقام أن قلتم لهم: كما اتفقنا نحن وأنتم على أن الله حي عالم قادر وليس بجسم فكذلك يجب أن تكون له حياة وعلم وقدرة وليست أعراضا وتقوم به ولا يكون جسما
ومعلوم أن هذا الجواب ليس بعلمي ولا يحمل به انقطاع المعتزلة ولا غيرهم إذ يقال لكم: المعتزلة مخطئون إما في قولكم إن هذه الأسماء تثبت لغير جسم وإما في قولهم إن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم فلم قلتم: إن خطأهم في الثاني دون الأول ؟ !
فإن قلتم: قد قام الدليل على نفي الجسم قيل لكم: ذلك الدليل بعينه ينفي قيام الصفات التي هي الأعراض به إذ لا يعقل ما يقوم به الأعراض إلا الجسم ويقال لكم: الدليل الذي نفيتم به الجسم إنما هو الاستدلال على حدوثه بحدوث الأعراض وهذا الدليل آخره بعد تقرير كل مقدمة هو منع حوادث لا أول لها وهذه المقدمة إن صحت لزمكم إثبات حوادث بلا سبب وذلك يبطل أصل دليلكم على إثبات الصانع فإنه متى جوز الحدوث بلا مرجح تام يلزم منه الحدوث لزم ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح وهذا يسد باب إثبات الصانع بل يستلزم أن لا يكون في الوجود موجود واجب وهو في نفسه من أفسد ما يقال ولهذا لم يقله عاقل
قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه ذم الكلام: