9 -1020 - مسألة: عن الروح المؤمنة أن الملائكة تتلقاها وتصعد بها من سماء إلى السماء التي فيها الله وعن الشيخ عبد القادر أنه أفضل المشايخ والإمام أحمد أنه أفضل الأئمة فهل هذا صحيح أم لا ؟
الجواب: أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على مذهبه أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره كما يرجح الشيخ عبد القادر أو الشيخ أبا مدين أو أحمد أو غيرهم فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ ولا يقصدون اتباع الحق المطلق بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن يظنه وإن لم يكن معه برهان على ذلك وقد يفضي ذلك إلى تحاجهم وتقاتلهم وتفرقهم
وهذا مما حرمه الله ورسوله كما قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }
قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة
فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف التكلم بغير علم فإنه يجب النهي عنه فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله
وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده كما تنازع المسلمون أيما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه وإفراد الإقامة أو إثناؤها وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها والقنوت في الفجر أو تركه والجهر بالتسمية أو المخافتة بها أو ترك قراءتها ونحو ذلك فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة فكل منهم أقر الآخر على إجتهاده من كان فيها أصاب الحق فله أجران ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر وخطأه مغفور له فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على ترجح عنده تقليد مالك ومن ترجح عنده تقليد أحمد ولم ينكر على من ترجح عند تقليد الشافعي ونحو ذلك
ولا أحد في الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام أن فلانا أفضل من فلان فيقبل منه هذا الجواب لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتي بخلاف ذلك لكن إن كان الرجل مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق وإن كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها
وقد قال تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }
لكن عليه أن لا يتبع هواه ولا يتكلم بغير علم
قال تعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم }
وقال تعالى: { يجادلونك في الحق بعد ما تبين }
وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره ولا يعرف هذا التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم
وأما الحديث المذكور في قبض روح المؤمن وأنه يصعد بها إلى السماء التي فيها الله فهذا حديث معروف جيد الإسناد وقوله فيها الله بمنزلة قوله تعالى: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير }
وبمنزلة ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لجارية معاوية بن الحكم: أين الله ؟ قالت: في السماء قال من أنا ؟ قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة: وليس المراد بذلك أن السماء تحصر الرب وتحويه كما تحوي الشمس والقمر وغيرهما فإن هذا لا يقوله مسلم ولا يعتقده عاقل فقد قال سبحانه وتعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض } والسموات في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة والرب سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته
وقال تعالى: { ولأصلبنكم في جذوع النخل } وقال: { فسيحوا في الأرض } وقال: { يتيهون في الأرض } وليس المراد أنهم في جوف النخل وجوف الأرض بل معنى ذلك أنه فوق السموات وعليها بائن من المخلوقات كما أخبر في كتابه عن نفسه أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقال: { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } وقال تعالى: { تعرج الملائكة والروح إليه } وقال: { بل رفعه الله إليه } وأمثال ذلك في الكتاب والسنة وجواب هذه المسألة مبسوط في غير هذا الموضع