واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال هو واجب على الكفاية
الأديان عند الموت على العبد ليس أمرا عاما لكل أحد ولا هو أيضا منفيا عن كل أحد بل من الناس من لا يعرض عليه الأديان ومنهم من يعرض عليه وذلك كله من فتنة المحيا التي أمرنا أن نستعيذ في صلاتنا منها ووقت الموت يكون الشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم
وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك والصبر واجب بالافاق ولا يلزم الرضا بمرض وفقر وعاهة وهو الصحيح من المذهب والصبر تنافيه الشكوى والصبر الجميل تنافيه الشكوى إلى المخلوق لا إلى الخالق بل هي مطلوبة بإجماع المسلمين قال الله تعالى: { فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون } إلى غير ذلك من الايات
وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا فأيهما غلب هلك صاحبه ونص عليه الإمام أحمد لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله
وتعتبر المصلحة في العبادة الدعائية ولا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه و سلم أو اتفقت الأمة على الثناء عليه وهو أحد القولين
وتواطؤ الرؤيا لتواطئ الشهادات ومن ظن أن غيره لا يقوم بأسر الميت تعين عليه وقاله القاضي وغيره في فرض الكفاية وتستحب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ولا تجب وهو ظاهر نقل أبي طالب ويصلي على الجنازة مرة بعد أخرى لأنه دعاء وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في القنوت
وقال أبو العباس في موضع آخر ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسبب مصل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة التي صلت أولا فيصلي بهم ويصلي على القبر إلى شهر وهو مذهب أحمد
صلى على جنازة وهي على أعناق الرجال وهي واقفة فهذا له مأخذان الأول استقرار المحل فقد يخرج على الصلاة في السفينة وعلى الراحلة مع استيفاء الفرائض وإمكان الانتقال وفيه روايتان والثاني اشتراط محاذاة المصلي للجنازة فلو كانت أعلى من رأسه فهذا قد يخرج على علو الإمام على المأموم فلو وضعت على كرسي علا أو منبر ارتفع المحذور الأول دون الثاني قلت قال أبو المعالي لو صلى على جنازة وهي محمولة على الأعناق أو على دابة أو صغير على يدي رجل لم يجز لأن الجنازة بمنزلة الإمام
وقال صاحب التلخيص وجماعة يشترط حضور السرير بين يدي المصلي ولا يصلي على الغائب عن البلد إن كان صلى عليه وهو وجه في المذهب ومقتضى اللفظ أن من هو خارج السور أو ما يقدر سورا يصلي عليه أما الغائب فهو الذي يكون انفصاله عن البلد بما يعد الذهاب إليه نوع سفر
وقال القاضي وغيره أنه يكفي خمسون خطوة وأقرب الحدود ما يجب فيه الجمعة لأنه إذا كان من أهل الصلاة في البلد فلا يعد غائبا عنه ولا يصلي كل يوم على غائب لأنه لم ينقل يؤيده قول الإمام أحمد إذا مات رجل صالح صلى عليه واحتج بقصة النجاشي وما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين في ذلك اليوم لا ريب أنه بدعة ومن مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله أتركه صلى الله عليه و سلم الصلاة على القاتل نفسه وعلى الغال والمدين الذي له وفاء ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس وإن كان منافقا كمن علم نفاقه لم يصل عليه ومن لم يعلم نفاقه صلى عليه ولا يجوز لأحد أن يترحم على من مات كافرا ومن مات مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرا لأمثاله عن مثل فعله كان حسنا ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت إحداهما
وترك النبي صلى الله عليه و سلم غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب أما استحباب الترك فلا يدل على تحريم الفعل ويتبع الجنازة ولو لأجل أهله فقط إحسانا إليهم لتألفهم أو مكافأة أو غير ذلك روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الميت يبعث يوم القيامة في ثيابه التي قبض فيها أخرجه ابن ماجه في صحيحه وغيره
وحمله أبو سعيد الخدري على أن الثياب التي يموت فيها العبد هي ما مات عليه من العمل سواء كان صالحا أو سيئا ورجح أبو العباس هذا بأن الذي جاء في الحديث أنه يبعث على ما مات عليه رواه حاتم في صحيحه
وقال الأحاديث الصحيحة تبين أنهم يحشرون عراة ويستحب القيام للجنازة إذا مرت به وهو إحدى الروايتين عن أحمد
واختيار ابن عقيل وإذا كان مع الجنازة منكر وهو عاجز عن إزالته تبعها على الصحيح وهو إحدى الروايتين وأنكر بحسبه ويكره رفع الصوت مع الجنازة ولو بالقراءة اتفاقا وضرب النساء بالدف مع الجنازة منكر منهى عنه ومن بنى في مقبرة المسلمين ما يختص به فهو عاص وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ويحرم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها وبينها ويتعين إزالتها
قال أبو العباس: ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين وإذا لم يمكنه المشي إلى المسجد إلا على الجنابة فله ذلك ولا يترك المسجد ويستحب أن يدعو للميت عند القبر بعد الدفن واقفا قال أحمد لا بأس به قد فعله علي والأحنف
وروى سعيد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقف فيدعو ولأنه معتاد بدليل قوله تعالى في المنافقين ولا تقم على قبره وهذا هو المراد على ما ذكره المفسرون وتلقين الميت بعد موته ليس بواجب بإجماع المسلمين ولكن من الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي
ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب والكراهة الإباحة وهو أعدل الأقوال وغير المكلف يمتحن ويسأل وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد قاله أبو حكيم وغيره ويكره دفن إثنين فأكثر في قبر واحد وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها جماعة من الأصحاب
وحديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا فسر بعضهم القبر بأنه الصلاة على الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالاجماع وإنما معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير صلاة العصر إلى إصفرار الشمس بلا عذر فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإن النبي صلى الله عليه و سلم لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت
وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح ويستحب البكاء على الميت رحمة له وهو أكمل من الفرح لقوله صلى الله عليه و سلم هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده متفق عليه والميت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقا قاله طائفة من العلماء وما يهيج المصيبة من انشاد الشعر والوعظ فمن النائحة وفي الفنون لابن عقيل ما يوافقه ويحرم الذبح والتضحية ند القبر ونقل أحمد كراهة الذبح عند القبر ولهذا كره لعلماء الأكل من هذه الذبيحة
وقال أبو العباس في موضع آخر: وإخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة وهي تشبه الذبح عند القبر ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور الصدقة وغيرها ويجوز زيارة قبر الكافر للاعتبار ولا يمنع الكافر من زيارة قبر أبيه المسلم واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه وجاءت الآثار بأنه يرى أيضا وبأنه يدري بما يفعل عنده فيسر بما كان حسنا ويتألم بما كان قبيحا وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلى الأدنى لا العكس ولا يتتبع النساء الجنائز ونقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور
وهو قول جمهور السلف وعليها قدماء أصحابه ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القراءة عند القبر أفضل ولا رخص في اتخاذه عيدا كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم أو الذكر أو الصيام واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف بل هو عندهم كالقراءة في المساجد ولم يقل أحد من الأئمة المعتبرين أن الميت يؤجر على استماعه للقرآن
ومن قال أنه ينتفع بسماعه دون ما إذا بعد فقوله باطل يخالف الإجماع والقراءة على الميت بعد موته بدعة بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين
وقال أبو العباس في غرس الجريدتين نصفين على القبرين: إن الشجر والنبات يسبح ما دام اخضر فإذا يبس انقطع تسبيحه والتسبيح والعبادة عند القبر مما توجب تخفيف العذاب كما يخفف العذاب عن الميت بمجاورة الرجل الصالح كما جاءت بذلك الآثار المعروفة ولا يمتنع أن يكون في اليابس من النبات ما قد يكون في غيره من الجامدات مثل حنين الجذع اليابس إلى النبي صلى الله عليه و سلم وتسليم الحجر والمدر عليه وتسبيح الطعام وهو يؤكل
وهو التسبيح تسبيح مسموع لا بالحال كما يقوله بعض النظار وأما هذه الأوقاف على الترب ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله والتأكل بالقرآن وقراءته على غير الوجه المشروع واشتغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة فمتى أمكن تحصيل هذه المصحلة بدون ذلك الفساد جاز والوجه النهي عن ذلك المنع وإبطاله وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك لم يدفع أدنى الفسادين باحتمال لأعلاهما ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل
وقال أبو العباس في موضع آخر: الصحيح أنه ينتفع الميت بجميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة كما ينتفع بالعبادات المالية من الصدقة والعتق ونحوهما باتفاق الائمة وكما لو دعا له واستغفر له والصدقة على الميت أفضل من عمل ختمة وجمع الناس ولو أوصى الميت أن يصرف مال في هذه الختمة وقصده التقرب إلى الله صرف إلى محاويج يقرأون القرآن وختمة أو أكثر وهو أفضل من جمع الناس ولا يستحب القرب للنبي صلى الله عليه و سلم بل هو بدعة هذا الصواب المقطوع به
قال أبو العباس: وأقدم من بلغنا أنه فعل ذلك علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين كان أقدم من الجنيد وأدرك أحمد طبقته وعاصره وعاش بعده واتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي صلى الله عليه و سلم أو غيره من الأنبياء والصالحين فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله بل اتفقوا أنه لا يسلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود والركن اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح قلت بل قال إبراهيم الحربي يستحب تقبيل حجرة النبي صلى الله عليه و سلم والله أعلم وإذا سلم على النبي صلى الله عليه و سلم استقبل القبلة ودعا في المسجد ولم يدع مستقبلا للقبر كما كان الصحابة يفعلونه وهذا بلا نزاع أعلمه وما نقل عن مالك فيما يخالف ذلك مع المنصور فليس بصحيح وإنما تنازعوا في وقت التسليم هل يستقبل القبر أو القبلة فقال أصحاب أبي حنيفة يستقبل القبلة والأكثرون على أنه يستقبل القبر وتغشية قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم ليس في الدين
والصواب الذي عليه المحققون أن الخضر عليه السلام ميت لم يدرك الإسلام وعيسى بن مريم عليه السلام لم يمت بحيث فارقت روحه بدنه بل هو حي مع كونه توفي والتوفي الاستيفاء وهو يصلح لتوفي النوم ولتوفي الموت الذي هو فراق الروح البدن ولم يذكر القبض الذي هو قبض الروح والبدن جميعا
ونهى النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أن تحريم فيه قولان وظاهر كلام أبو العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي صلى الله عليه و سلم زائرات القبور وتصحيحه إياه ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق على حكمه والمرأة لا يشرع لها زيارة لا الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر بطريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا أحسن
ولا يحل للمرأة أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجها وهذا باتفاق المسلمين ويستحب أن يصلح لأهل الميت طعام بعث به إليهم ولا يصلحون هم طعاما للناس وهو مذهب أحمد وغيره ولا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين وكلما بعدت كان أصلح
ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب ولأهل السنة قول آخر أن النعيم أو العذاب يكون للبدن دون الروح وعلماء الكلام لهم أقوال شاذة فلا عبرة بها وروح الآدمي مخلوقة وقد حكى الاجماع على ذلك أبو محمد بن نصر المروزي وغيره