فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50427 من 346740

فصل: فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل وحرمه من الظلم على نفسه وعلى عباده ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم وفقرهم إليه وإنهم لا يقدرون على جلب منفعة لأنفسهم ولا دفع مضرة إلا أن يكون هو الميسر لذلك وأمر العباد أن يسألوه ذلك وأخبر أنهم لايقدرون على نفعه ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء ويدفع عنهم البلاء وجلب المنفعة ودفع المضرة

أما أن يكون في الدين أو في الدنيا فصارت أربعة أقسام: الهداية والمغفرة وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين والطعام والكسوة وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدنيا وإن شئت قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن وهو الأصل في الأعمال الإرادية والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن الطعام لجلب منفعته واللباس لدفع مضرته وفتح الأمر بالهداية فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين فكل أعمال الناس تابعة لهدي الله إياهم كما قال سبحانه: { سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى } وقال موسى: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } وقال تعالى: { وهديناه النجدين } : وقال: { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }

ولهذا قيل: الهدى أربعة أقسام:

أحدها: الهداية إلى مصالح الدنيا فهذا مشترك بين الحيوان الناطق والأعجم وبين المؤمن والكافر

والثاني: الهدى بمعنى دعاء الخلق إلى ماينفعهم وأمرهم بذلك وهم نصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب فهذا أيضا يشترك فيه جميع المكلفين سواء آمنوا أو كفروا كما قال تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } وقال تعالى: { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } وقال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } فهذا مع قوله: { إنك لا تهدي من أحببت } يبين أن الهدي الذي أثبته هو البيان والدعاء والأمر والنهي والتعليم وما يتبع ذلك ليس هو الهدى الذي نفاه وهو القسم الثالث الذي لايقدر عليه إلا الله

والقسم الثالث: الهدى الذي هو جعل الهدى في القلوب وهو الذي يسميه بعضهم بالإلهام والإرشاد وبعضهم يقول: هو خلق القدرة على الإيمان كالتوفيق عندهم ونحو ذلك وهو بناء على أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فمن قال ذلك من أهل الإثبات جعل التوفيق والهدى ونحو ذلك خلق القدرة على الطاعة

أما من قال أنهما استطاعتان:

إحداهما: قبل الفعل وهي الاستطاعة المشروطة في التعكيف كما قال تعالى: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وقال النبي صلى الله عليه و سلم لعمران بن حصين: [ صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ] وهذه الإستطاعة يقترن بها الفعل تارة والترك أخرى وهي الإستطاعة التي لم تعرف القدرية غيرها كما أن أولئك المخالفين لهم من أهل الإثبات لم يعرفوا إلا المقارنة وأما الذي عليه المحققون من أئمة الفقه والحديث والكلام وغيرهم فإثبات النوعين جميعا كما قد بسطناه في غير هذا الموضع فإن الأدلة الشرعية والعقلية تثبت النوعين جميعا

والثانية: المقارنة للفعل وهي الموجبة له وهي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } وفي قوله: { لا يستطيعون سمعا }

وهذا الهدى الذي يكثر ذكره في القرآن في مثل قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } وقوله: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وفي قوله: { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } وأمثال ذلك وهذا هو الذي تنكر القدرية أن الله هو الفاعل له ويزعمون أن العبد هو الذي يهدي نفسه

وهذا الحديث وأمثاله حجة عليهم حيث قال: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم فأمر العباد بأن يسألوه الهداية كما أمرهم بذلك في أم الكتاب في قوله: { اهدنا الصراط المستقيم }

وعن القدرية أن الله لايقدر من الهدى إلى على مافعله من إرسال الرسل ونصب الأدلة وإراحة العلة ولامزية عندهم للمؤمن على الكافر في هداية الله تعالى ولانعمة له على المؤمن أعظم من نعمته على الكافر في باب الهدى

وقد بين الأختصاص في هذه بعد عموم الدعوة في قوله: { والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فقد جمع الحديث تنزيهه عن الظلم الذي يجوزه عليه بعض المثبتة وبيان أنه هو الذي يهدي عباده ردا على القدرية فأخبر هناك بعدله الذي يذكره بعض المثبتة وأخبر هنا بإحسانه وقدرته الذي تنكره القدرية وإن كان كل منهما قصده تعظيما لا يعرف ما اشتمل عليه قوله

والقسم الرابع: الهدى في الآخرة كما قال تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } وقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم } فقوله: { يهديهم ربهم بإيمانهم } كقوله: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } على أحد القولين في الآية

وهذا الهدى ثواب الاهتداء في الدنيا كما أن ضلال الآخرة جزاء ضلال الدنيا وكما أن قصد الشر في الدنيا جزاؤه الهدى إلى طريق النار كما قال تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم } وقال: { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } وقال: { فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } وقال: { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما }

فأخبر أن الضالين في الدنيا يحشرون يوم القيامة عميا وبكما وصما فإن الجزاء أبدا من جنس العمل كما قال صلى الله عليه و سلم: [ الراحمون يرحمهم الرحمن إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ] وقال: [ من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل له الله به طريقا إلى الجنة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه ] وقال: [ من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ] وقد قال تعالى: { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } وقال: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا } وأمثال هذا كثير في الكتاب والسنة

ولهذا أيضا يجزى الرجل في الدنيا على ما فعله من خير الهدى بما يفتح عليه من هدى آخر ولهذا قيل: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وقد قال تعالى: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } إلى قوله: { مستقيما } وقال: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } وقال: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم } وقال: { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } فسروه بالنصر والنجاة كقوله: { يوم الفرقان } وقد قيل نور يفرق به بين الحق والباطل ومثله قوله: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } وعد المتقين بالمخارج من الضيق وبرزق المنافع

ومن هذا الباب قوله: { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } وقوله: { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى } ومنه قوله: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا } وبإزاء ذلك أن الضلال والمعاصي تكون بسبب الذنوب المتقدمة كما قال الله: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } وقال: { وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم } وقال: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية } وقال: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } إلى قوله: { لا يؤمنون } إلى قوله: { يعمهون } وهذا باب واسع

ولهذا قال من قال من السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وأن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وقد شاع في لسان العامة أن قوله: { اتقوا الله ويعلمكم الله } من الباب الأول حيث يستدلون بذلك على أن التقوى سبب تعليم الله وأكثر الفضلاء يطعنون في هذه الدلالة لأنه لم يرابط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط فلم يقل: واتقوا الله ويعلمكم ولا قال: فيعلمكم وإنما أتى بواو العطف وليس من العطف ما يقتضي أن الأول سبب الثاني

وقد يقال: العطف قد يتضمن معنى الاقتران والتلازم كما يقال زرني وأزورك وسلم علينا ونسلم عليك ونحو ذلك مما يقتضى إقتران الفعلين والتعاوض من الطرفين كما لو قال: لسيده أعتقني ولك علي ألف أو قالت المرأة لزوجها: طلقني ولك ألف أو: اخلعني ولك ألف فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف أو على ألف

وكذلك أيضا لو قال: أنت حر وعليك ألف أو: أنت طالق وعليك ألف فإنه كقوله: علي ألف أو: بألف عند جمهور الفقهاء والفرق بينهما قول شاذ ويقول أحد المتعاوضين للآخر: أعطيك هذا وآخذ هذا ونحو ذلك من العبارات فيقول الآخر: نعم وإن لم يكن أحدهما هو السبب للآخر دون العكس

فقوله: { واتقوا الله ويعلمكم الله } قد يكون من هذا الباب فكل من تعليم الرب وتقوى العبد يقارب الآخر ويلازمه ويقتضيه فمتى علمه الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك ومتى اتقاه زاده من العلم وهلم جرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت