فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 50688 من 346740

فصل

وإذا كان المأموم مأمورا بالاستماع والانصات لقراءة الإمام لم يشتغل عن ذلك بغيرها لا بقراءة ولا ذكر ولا دعاء ففي حال جهر الإمام لا يستفتح ولا يتعوذ وفي هذه المسألة نزاع وفيها ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد قيل: إنه حال الجهر يستفتح ويتعوذ ولا يقرأ لأنه بالاستماع يحصل له مقصود القراءة بخلاف الاستفتاح والاستعاذة فإنه لا يسمعهما

وقيل: يستفتح ولا يتعوذ لأن الاستفتاح تابع لتكبيرة الإحرام بخلاف التعوذ فإنه تابع للقراءة فمن لم يقرأ لا يتعوذ

وقيل: لا يستفتح ولا يتعوذ حال الجهر وهذا أصح فإن ذلك يشغل عن الاستماع والانصات المأمور به وليس له أن يشتغل عما أمر به بشيء من الأشياء

ثم اختلف أصحاب أحمد: فمنهم من قال هذا الخلاف إنما هو في حال سكوت الإمام هل يشتغل بالاستفتاح أو الاستعاذة أو بأحدهما أو لا يشتغل إلا بالقراءة لكونها مختلفا في وجوبها وأما في حال الجهر فلا يشتغل بغير الإنصات والمعروف عند أصحابه أن هذا النزاع هو في حال الجهر لما تقدم من التعليل وأما في حال المخافتة فالأفضل له أن يستفتح واستفتاحه حال سكوت الإمام أفضل من قراءته في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما لأن القراءة يعتاض عنها بالاستماع بخلاف الاستفتاح

وأما قول القائل: إن قراءة المأموم مختلف في وجوبها فيقال: وكذلك الاستفتاح هل يجب ؟ فيه قولان مشهوران في مذهب أحمد ولم يختلف قوله: إنه لا يجب على المأموم القراءة في حال الجهر واختار ابن بطة وجوب الاستفتاح وقد ذكر ذلك روايتين عن أحمد

فعلم أن من قال من أصحابه كأبي الفرج بن الجوزي أن القراءة حال المخافتة أفضل في مذهبه من الاستفتاح فقد غلط على مذهبه ولكن هذا يناسب قول من استحب قراءة الفاتحة حال الجهر وهذا ما علمت أحدا قاله من أصحابه قبل جدي أبي البركات وليس هو مذهب أحمد ولا عامة أصحابه مع أن تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في نفس الأمر فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر فإن ذلك وصف حادث بعد النبي صلى الله عليه و سلم ولكن يسلكه من لم يكن عالما بالأدلة الشرعية في نفس الأمر لطلب الاحتياط

وعلى هذا ففي حال المخافتة هل يستحب له مع الاستفتاح الاستعاذة إذا لم يقرأ ؟ على روايتين

والصواب: أن الاستعاذة لا تشرع إلا لمن قرأ فإن اتسع الزمان للقراءة استعاذ وقرأ وإلا أنصت

وأما الفصل الثاني:

وهو القراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام كحال مخافتة الإمام وسكوته فإن الأمر بالقراءة والترغيب فيها يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره فإن قراءة القرآن في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة وما ورد من الفضل لقارئ القرآن يتناول المصلي أعظم مما يتناول غيره لقوله صلى الله عليه و سلم: [ من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول: { الم } حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ] قال الترمذي: حديث صحيح

وقد ثبت في خصوص الصلاة قوله في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا ] أي: غير تمام فقيل لأبي هريرة: إني أكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في

نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:[ قال الله: قسمت الصلاة بيي وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: { الحمد لله رب العالمين } قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: { الرحمن الرحيم } قال الله:

أثنى علي عبدي فإذا قال: { مالك يوم الدين } قال: مجدني عبدي وقال مرة: فوض إلي عبدي - فإذا قال: { إياك نعبد وإياك نستعين } قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ]

وروى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين: [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه: بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: أيكم قرأ ؟ أو أيكم القارئ - قال رجل: أنا قال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها ] رواه مسلم فهذا قد قرأ خلفه في صلاة الظهر ولم ينهه ولا غيره عن القراءة لكن قال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها أي نازعنيها كما قال في الحديث الآخر: [ إني أقول مالي أنازع القرآن ]

وفي المسند عن ابن مسعود قال: كانوا يقرأون خلف النبي صلى الله عليه و سلم فقال: خلطتم علي القرآن فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه وخلط عليه القرآن وهذا لا يكون ممن قرأ في نفسه بحيث لا يسمعه غيره وإنما يكون ممن أسمع غيره وهذا مكروه لما فيه من المنازعة لغيره لا لأجل كونه قارئا خلف الإمام وأما مع مخافته الإمام فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه ولهذا قال: أيكم القارئ ؟ أي القارئ الذي نازعني لم يرد بذلك القارئ في نفسه فإن هذا لا ينازع ولا يعرف أنه خالج النبي صلى الله عليه و سلم وكراهة القراءة خلف الإمام إنما هي إذا امتنع من الإنصات المأمور به أو إذا نازع غيره فإذا لم يكن هناك إنصات مأمور به ولا منازعة فلا وجه للمنع من تلاوة القرآن في الصلاة والقارئ هنا لم يعتض عن القراءة باستماع فيفوته الإستماع والقراءة جميعا مع الخلاف المشهور في وجوب القراءة في مثل هذه الحال فخلاف وجوبها في حال الجهر فإنه شاذ حتى نقل أحمد الإجماع على خلافه

وأبو هريرة وغيره من الصحابة فهموا من قوله: [ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: { الحمد لله رب العالمين } ] أن ذلك يعم الإمام والمأموم

وأيضا فجميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها سرا بشرع المأموم أن يقولها سرا كالتسبيح في الركوع والسجود وكالتشهد والدعاء ومعلوم أن القراءة أفضل من الذكر والدعاء فلأي معنى لا تشرع له القراءة في السر وهو لا يسمع قراءة السر ولا يؤمن على قراءة الإمام في السر

وأيضا فإن الله سبحانه لما قال: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } وقال: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين } وهذا أمر للنبي صلى الله عليه و سلم ولأمته فإنه ما خوطب به خوطبت به الأمة ما لم يرد نص بالتخصيص كقوله: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } وقوله: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } وقوله: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل } ونحو ذلك

وهذا أمر يتناول الإمام والمأموم والمنفرد بأن يذكر الله في نفسه بالغدو والآصال وهو يتناول صلاة الفجر والظهر والعصر فيكون المأموم مأمورا بذكر ربه في نفسه لكن إذا كان مستمعا كان مأمورا بالإستماع وإن لم يكن مستمعا كان مأمورا بذكر ربه في نفسه والقرآن أفضل الذكر كما قال تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } وقال تعالى: { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } وقال تعالى: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } وقال: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث }

وأيضا: فالسكوت بلا قراءة ولا ذكر ولا دعاء ليس عبادة ولا مأمورا به بل يفتح باب الوسوسة فالاشتغال بذكر الله أفضل من السكوت وقراءة القرآن من أفضل الخير وإذا كان كذلك فالذكر بالقرآن أفضل من غيره كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ] رواه مسلم في صحيحه وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: [ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمنى ما يجزئني منه فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا رسول الله ! هذا لله فما لي قال: قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال: هكذا بيديه - فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير ] رواه أحمد وأبو داود والنسائي

والذين أوجبوا القراءة في الجهر: احتجوا بالحديث الذي في السنن عن عبادة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ إذا كنتم ورائي فلا تقرأوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ] وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة ضعفه أحمد وغيره من الأئمة وقد بسط الكلام على ضعفه في غير هذا الموضع وبين أن الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ لا صلاة إلا بأم القرآن ] فهذا هو الذي أخرجاه في الصحيحين ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة وأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس فقال هذا فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة

[ وأيضا: فقد تكلم العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة وبسطوا القول فيها وفي غيرها من المسائل وتارة أفردوا القول فيها في مصنفات مفردة وانتصر طائفة للإثبات في مصنفات مفردة: كالبخاري وغيره وطائفة للنفي: كأبي مطيع البلخي وكرام وغيرهما

ومن تأمل مصنفات الطوائف تبين له القول الوسط فإن عامة المصنفات المفردة تتضمن صور كل من القولين المتباينين قول من ينهى عن القراءة خلف الإمام حتى في صلاة السر وقول من يأمر بالقراءة خلفه مع سماع جهر الإمام والبخاري ممن بالغ في الانتصار للاثبات بالقراءة حتى مع جهر الإمام بل يوجب ذلك كما يقوله الشافعي في الجديد وابن حزم ومع هذا فحججه ومصنفه إنما تتضمن تضعيف قول أبي حنيفة في هذه المسألة وتوابعها مثل كونه ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت