فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51907 من 346740

وأما السلف والأئمة وأكثر الناس فلم ينازعوهم هذا النزاع بل قالوا: الكلام وإن قيل أنه فعل للمتكلم فلا بد أن يكون قائما به فلا يكون الكلام لازما لمتكلم يمتنع أن يقوم به الكلام وجميع المسموع من اللغات والمعلوم في فطرة البريات يوافق ذلك وأما تكلم الجني على لسان الإنسي فلا بد أن يقوم بالجني كلام ولكن تحريكه مع ذلك لجوارح الإنسي يشبه تحريك روح الإنسي لجوارحه بكلامه ويشبه تحريك الإنسان بكلامه وحركته وتصويته كما يصوت بقصبة ونحوها مع أنه في ذلك كله قد قام به من الفعل ما يصح به نسبة ذلك إليه وقولهم: المتكلم من فعل الكلام وإن كان قائما بغيره كلام متناقض فإن الفعل أيضا لا يقوم بغير الفاعل وإنما الذي يقوم بغيره هوالمفعول

وأما قول من يقول: إن الخلق لا يكون إلا بمعنى المخلوق فهو من بدع الجهمية وعامة أهل الإسلام على خلاف هذا وكذلك قال الأئمة مثل ما ذكره الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية قال: ففيما يسأل عنه الجهمي يقال له: تجد في كتاب الله أنه يخبر عن القرآن أنه مخلوق ؟ فلا يجد فيقال له: فيم قلت فيقول: من قول الله: { إنا جعلناه قرآنا عربيا } وزعم أن كل مجعول مخلوق فادعى كلمة من الكلام المتشابه يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزيلها ويبتغي الفتنة في تأويلها

وذلك أن جعل في القرآن من المخلوقين على وجهين على معنى التسمية وعلى معنى فعل من أفعالهم قوله: { الذين جعلوا القرآن عضين } قالوا: هو شعرا وأنباء الأولين وأضغاث أحلام فهذا على معنى التسمية وقال: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } يعني أنهم سموهم إناثا ثم ذكر جعل على غير معنى التسمية فقال: { يجعلون أصابعهم في آذانهم } فهذا على معنى فعل من أفعالهم وقال: { حتى إذا جعله نارا } هذا على معنى فعل هذا جعل المخلوقين

ثم ذكر جعل من الله على معنى خلق وجعل على غير معنى خلق والذي قال الله جل ثناؤه جعل على معنى خلق لا يكون إلا خلقا ولا يقوم إلا مقام خلق لا يزول عن المعنى فما قال الله جعل على معنى خلق كذلك قوله: { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور } بمعنى خلق الظلمات والنور { وجعلنا الليل والنهار آيتين } يقول خلقنا الليل والنهار آيتين قال: { وجعل الشمس سراجا } وقال: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } يقول خلق منها زوجها خلق من آدم حواء وقال: { وجعل لها رواسي } ومثله في القرآن كثير فهذا وما كان مثاله لا يكون مثاله إلا على معنى خلق وقوله: { ما جعل الله من بحيرة } لا يعني ما خلق الله من بحيرة

وقال الله لإبراهيم: { إني جاعلك للناس إماما } لا يعني أني خالقك للناس إماما لأن خلق إبراهيم كان متقدما قال إبراهيم: { رب اجعل هذا بلدا آمنا } وقال: { رب اجعلني مقيم الصلاة } لا يعني خلقني مقيم الصلاة وقال: { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة } لا يعني يريد الله أن لا يخلق لهم حظا في الآخرة

وقال لأم موسى: { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } لا يعني وخالقوه من المرسلين لأن الله تعالى وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعد ذلك مرسلا وقال: { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم } لا يعني فيخلقه في جهنم وقال: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } وقال: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } لا يعني خلقه دكا ومثله في القرآن كثير وما كان على مثاله يكون على معنى خلق فإذا قال تعالى جعل على معنى خلق وقال جعل على غير معنى خلق فبأي حجة قال الجهمي جعل على معنى الخلق فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون فلما قال الله عز و جل: { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } يقول جعله جعلا على معنى فعل من أفعال الله على غيرمعنى خلق

وقال في سورة يوسف: { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } قال: { بلسان عربي مبين } وقال: { فإنما يسرناه بلسانك } فلما جعل الله القرآن عربيا ويسره بلسان نبيه كان ذلك فعلا من أفعال الله جعل به القرآن عربيا ففي هذا بيان لمن أراد الله هداه

وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق وهو فعل الرب وأمره فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون غير مخلوق وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون

وقال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كلم موسى صلى الله عليه و سلم وعلى نبينا وعلى سائر الأنبباء

قلنا: لم أنكرتم ذلك ؟ قالوا: لأن الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا فعبرعن الله وخلق صوتا فسمع

فزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان فقلنا فهل يجوز لمكون أو لغير الله أن يقول لموسى لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري وأني أنا ربك ؟ فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمية أن الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين ولا يجوز أن يقول إني أنا الله رب العالمين وقد قال الله جل ثناؤه وكلم الله موسى تكاليما وقال { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } وقال: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فهذا منصوص القرآن قال: وأما ما قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم

فكيف يصنعون بحديث سليمان الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ] قال وأما قولهم إن الكلام لايكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان

أليس الله عز و جل قال للسموات والأرض: { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } أتراه أنها قالت بجوف وشفتين ولسان ؟ وقال الله: { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } أتراها أنها سبحت بفم وجوف ولسان وشفتين والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: { لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان ولكن الله أنطقها كيف شاء من غير أن يقول فم ولسان وشفتان

قال: فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق ؟ قال: نعم قلنا: هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم بما تظهرون وحديث الزهري [ قال لما سمع موسى كلام ربه قال يارب هذا الكلام الذي سمعته هو كلامك قال نعم ياموسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك مت قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم قالوا تشبهه قال: أسمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلا حلاوة سمعتموها فكأنه مثله ] قال وقلنا للجهمية: من القائل لعيسى يوم القيامة يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله أليس الله هو القائل قالوا: يكون الله شيئا يعبر عن الله كمايكون فعبر لموسى فقلنا: فمن القائل: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين }

أليس الله هو الذي يسأل ؟ قالوا: هذا كله إنما يكون الله شيئا فيعبر عن الله قلنا قد أعظمتم على الله الفرية حتى زعمتم أن الله لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول عن مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال أقول إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا: وكذلك بنوآدم كلامهم مخلوق ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتثسبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن الله جل ثناؤه لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا ولا نقول إنه كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة

فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر

فقالوا: لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا كان الله ولا شيء فقلنا: نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلا في ذلك فقلنا لهم: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله جل ثناؤه وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق قدرة والذي ليس له قدر ة هو عاجز ولا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا علم له حتى خلق فعلم والذي لا يعلم فهو جاهل ولكن نقول لم يزل الله قادرا عالما مالكا لامتى ولا كيف وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: { ذرني ومن خلقت وحيدا } أو قد كان لهذا الذي سماه وحيدا عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد

وكذلك ذكر الأشعري في المقالات اختلاف المعتزلة في أن الباري متكلم فقال: اختلفت المعتزلة في ذلك فمنهم من أتبت الباري متكلما ومنهم من امتنع أن يثبت الباري متكلما ولو أثبته متكلما لأثبته منفصلا والقائل لهذا الأسكافي وعباد بن سليمان قلت: وأما نقل أبي الحسين البصري اتفاق المسلمين على أن الباري متكلم ونقل من أخذ ذلك عنه كالرازي وغيره فليس بمستقيم فإن أبا الحسين كان يأخذ ما يذكره مشايخه البصريون وما نقلوه وهؤلاء يوافقون المسلمين على إطلاق القول بأن الله متكلم فيوافقون أهل الإيمان في اللفظ وهم في المعنى قائلون بقول من نفى ذلك فإذا ذكر الاجماع على هذا الإطلاق ظن المستمع لذلك أن النزاع في تغيير اللفظ كالنزاع في تغيير بعض آيات القرآن وليس كذلك بل النفاة حقيقة قولهم نفي أن يكون الله متكلما كما يصرح بذلك من يصرح منهم ولكن وافقوا المسلمين على إطلاق اللفظ نفاقا من زنادقتهم وجهلا من سائرهم

وهذا الذي بينه الإمام أحمد هو محض السنة وصريحها الذي كان عليه أئمتها وقد خلصه تخليصا لا يعرف قدره إلا خواص الأمة الذين يعرفون مزال أقدام الأذكياء الفضلاء في هذه المهمة الغبراء حتى كثر بين الفرق من الخصومات والأهواء وسائر الناس يقولون بذلك من وجه دون وجه قال الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب السنة: قرأت في كتاب شاكر عن أبي زرعة قال: إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا يعبدون خالقا كاملا لصفاته ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علما فعلم بخلقه أو لم يكن متكلما فخلق كلاما ثم تكلم به أو لم يكن سميعا بصيرا ثم خلق سمعا وبصرا: فقد نسبه إلى النقص وقائل هذا كافر لم يزل الله كاملا بصفاته لم يحدث فيه صفة ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلق الخلق كاملا بصفاته فمن وجه أن الرب تبارك وتعالى يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان ولهوات فهذه السموات والأرض قال لهما: إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين أفهاهنا شفتان ولسان ولهوات قلت: أبو زرعة الرازي كان يشبه بأحمد بن حنبل في حفظه وفقهه ودينه ومعرفته و أحمد كان عظيم الثناء عليه داعيا له وهذا المعنى الذي ذكره هو في كلام الإمام أحمد في مواضع كما ذكره الخلال في كتاب السنة عن حنبل وقد ذكره حنبل في كتبه مثل كتاب السنة والمحنة لحنبل

قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبوعبدالله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف الله تبارك وتعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء

وقال حنبل في موضع آخر ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه وقد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فنعبد الله بصفات غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه قال الله تبارك وتعالى: { وهو السميع البصير }

قال حنبل في موضع آخر: وهو سميع بصير بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغه الواصفون وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن الحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت ووصف وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت