ويصح الطلاق من الزوج وعن الإمام أحمد رواية: ومن العبد الصبي والمجنون وسيدهما والذي يجب أن يسوى في هذا الباب بين العقد والفسخ فكل من ملك العقد عليه فإن هذا قياس هذه الرواية وهو موجب شهادة الأصول ويندرج في هذا الوصي المزوج والأولياء إذا زوجوا المجنون فإنا إذا جوزنا للولي في إحدى الروايتين استيفاء القصاص وجوزنا له الكتابة والعتق لمصلحة وجوزنا له المقابلة في البيع وفسخه لمصلحة فقد أقمنا مقام نفسه وكذلك الحاكم الذي له التزويج وهذا فيمن يملك جنس النكاح ولا يقع طلاق السكران ولو بسكر محرم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو بكر ونقل الميموني عن أحمد الرجوع عما سواها فقال: كنت أقول يقع طلاق السكران حتى تبينت فغلب على أنه لا يقع وقصد إزالة العقل بلا سبب شرعي محرم ولو ادعى الزوج أنه حين الطلاق زائل العقل لمرض أو غشي
قال أبو العباس: أفتيت أنه إذا كان هناك سبب يمكن معه صدقه فالقول قوله مع يمينه ويجب على الزوج أمر زوجته بالصلاة فإن لم تصل وجب عليه فراقها في الصحيح
وقال أبو العباس: في موضع آخر إذا دعيت إلى الصلاة وامتنعت انفسخ نكاحها في أحد قولي العلماء ولا ينفسخ في الآخر إذ ليس كل من وجب عليه فراقها ينفسخ نكاحها بلا فعله فإن كان عاجزا عن طلاقها لثقل مهرها كان مسيئا بتزوجه بمن لا تصلي وعلى هذا الوجه فيتوب إلى الله تعالى من ذلك وينوي أنه إذا قدر على أكثر من ذلك فعله ولا يقع طلاق المكره والإكراه يحصل إما بالتهديد أو بأن يغلب على ظنه أنه يضره في نفسه أو ماله بلا تهديد
وقال أبو العباس: في موضع آخر كونه يغلب على ظنه تحقق تهديده ليس بجيد بل الصواب أنه لو استوى الطرفان لكان إكراها وأما إن خاف وقوع التهديد وغلب على ظنه عدمه فهو محتمل في كلام أحمد وغيره ولو أراد للكره وإيقاع الطلاق وتكلم به وقع وهو رواية حكاها أبو الخطاب في الانتصار وإن سحره ليطلق فإكراه
وقال أبو العباس: تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراها
وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها فلها أن ترجع بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها في الهبة ولفظه في موضع آخر لأنه أكرهها ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر ومثل هذا لو كان له عند رجل حق من دين أو وديعة فقال لا أعطيك حتى تبيعني أو تهبني فقال مالك هو إكراه وهو قياس قول أحمد ومنصوصه في مسألة ما إذا منعها حقها لتختلع منه
وقال القاضي تبعا للحنيفة والشافعية ليس إكراها وكلام أحمد في وجوب طلاق الزوجة بأمر الأب مقيد بصلاح الأب والطلاق في زمن الحيض محرم لاقتضاء النهي الفساد ولأنه خلاف ما أمر الله به وإن طلقها في طهر أصابها فيه حرم ولا يقع ويقع من ثلاث مجموعة أو مفرقة بعد لدخول واحدة
قال أبو العباس: ولا أعلم أحد فرق بين الصورتين والرجعية لا يلحقها الطلاق وإن كانت في العدة بناء على أن إرسال طلاقه على الرجعية في عدتها قبل أن يراجعها محرم ولو قال أنت طالق في آخر طهرك ولم يطأ فيه فهو مباح إلا على رواية القروء الأطهار وقاله جمهور أصحابنا وقال الجعد تبعا للقاضي في المجرد هو بدعة ومن حلف بالطلاق كاذبا يعلم كذب نفسه لا تطلق زوجته ولا يلزمه كفارة يمين ولو قال رجل امرأة فلان طالق فقال ثلاثا فهذه تشبه ما لو قال لي عليك ألف فقال صحاح وفيه وجهان وهذا أصله في الكلام من اثنين إذا أتى الثاني بالصفة ونحوها هل يكون متمما للأول وعقد النية في الطلاق على مذهب الإمام أحمد أنها إن اسقطت شيئا من الطلاق لم تقبل مثل قوله أنت طالق ثلاثا وقال نويت إلا واحدة فإنه لا يقبل رواية واحدة وإن لم تسقط من الطلاق وإنما عدل به من حال إلى حال أن ينوي من وثاق وعقال ودخول الدار إلى سنة ونحو ذلك فهذا على روايتين:
إحداهما: يقبل كما لو قال: أنت طلق أنت طالق وقال: نويت بالثانية التأكيد فإنه يقبل منه رواية واحدة وأنت طالق ومطلقة ومن شاكل ذلك من الصيغ هي إنشاء من حيث أنها هي إثبات للحكم وشهادتهم وهي إخبار لدلالتها على المعنى الذي في النفس ومن أشهد عليه بطلاق ثلاث ثم أفتى بأنه لا شيء عليه لم يؤاخذ بإقراره لمعرفة أن مستنده في إقرار ذلك مما يجهله وإذا صرف الزوج لفظه إلى ممكن يتخرج أن يقبل قوله إذا كان عدلا كما قاله أحمد فيمن أخبرت أنها نكحت من أصابها وفي المخبر بالثمن إذا ادعى الغلط على رواية
ولو قيل بمثل هذا في المخبرة بحيضها إذا علق الطلاق به يتوجه وذلك لأن المخبر إذا خالف خبره الأصل اعتبر فيه العدالة ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بنية إلا مع قرينة أراد الطلاق فإذا قرن الكنايات بلفظ يدل على أحكام الطلاق مثل أن يقول: فسخت النكاح وقطعت الزوجية ورفعت العلاقة بيني وبين زوجتي وقال الغزالي في المستصفى في ضمن مسألة القياس لا يقع الطلاق بالكناية حتى ينويه
قال أبو العباس: هذا عندي ضعيف على المذاهب كلها فإنهم مهدوا في كتاب الوقف أنه إذا قرن بالكناية بعض أحكامه صارت كالصريح ويجب أن يفرق بين قول الزوج لست لي بامرأة وما أنت لي بامرأة وبين قوله ليس لي امرأة وبين قوله إذا قيل له لك امرأة فقال لا فإن الفرق ثابت بينهما وصفا وعددا إذ الأول نفي لنكاحها ونفي النكاح عنها كإثبات طلاقها ويكون إنشاء ويكون إخبارا بخلاف نفي المنكوحات عموما فإنه لا يستعمل إلا إخبارا وفي المغني والكافي وغيرهما أنه لو باع زوجته لا يقع به طلاق وقال ابن عقيل وعندي أنه كناية
قال أبو العباس: وهذا متوجه إذا قصد الخلع لا يبع الرقبة قال القاضي: إن قال لها اختاري نفسك فذكرت أنها اختارت نفسها فأنكر الزوج فالقول قوله لأن الاختيار مما يمكنها إقامة البينة عليه فلا يقبل قوله في اختيارها
قال أبو العباس: يتوجه أن يقبل قولها كالوكيل على ما ذكره أصحابنا في أن الوكيل يقبل قوله في كل تصرف وكل فيه ولو ادعى الزوج أنه رجع قبل إيقاع الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي الحارث ذكره القاضي في المجرد وإذا قال لزوجته إن أبرأتيني فأنت طالق فقالت ابرأك الله مما تدعي النساء على الرجال إذا كانت رشيدة