فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 51316 من 346740

وأما المأخذ المتقدم من كون هذا كنذر اللجاج والغضب فهذا قياس قول الذين جوزوا التكفير في نذر اللجاج وفرقوا بين نذر التبرر ونذر الغضب فإن هذا الفرق يوجب الفرق بين المعلق الذي يقصد وقوعه عند الشرط وبين المعلق المحلوف به الذي يقصدعدم وقوعه إلا أن يصح الفرق المذكور بين كون المعلق هو الوجود أو الوجوب وسنتكلم عليه وقد ذكرنا هذا القول يخرج من أصول أحمد على مواضع قد ذكرناها وكذلك هو أيضا لازم لمن قال في نذر اللجاج والغضب بكفارة كما هو ظاهر مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة التي اختارها أكثر متأخري أصحابه وإحدى الروايتين عن ابن القاسم التي اختارها كثير من متأخري المالكية فإن التسوية بين الحلف بالنذر والعتق هو المتوجه ولهذا كان من أقوى حجج القائلين بوجوب الوفاء في الحلف بالنذر فإنهم قاسوه على الحلف بالطلاق والعتاق واعتقده بعض المالكية مجمعا عليه وأيضا فإذا حلف بصيغة القسم كقوله عبيدي أحرار لأفعلن أو نسائي طوالق لأفعلن فهو بمنزلة قوله مالي صدقة لأفعلن وعلي الحج لأفعلن والذي يوضح التسوية أن الشافعي إنما اعتمد في الطلاق المعلق على فدية الخلع قاله في البويطي وهو كتاب متحري من أجود كلامه وذلك أن الفقهاء يسمون الطلاق المعلق بسبب طلاقا بصفة ويسمون ذلك الشرط صفة ويقولن إذا وجدت الصفة في زمان البينونة وإذا لم توجد الصفة ونحو ذلك

وهذا التشبيه لها وجهان:

أحدهما: أن هذا الطلاق موصوف بصفة ليس طلاقا مجردا عن صفة فإنه إذا قال أنت طالق في أول السنة وإذا ظهرت فقد وصف الطلاق بالزمان الخاص فإن الظرف صفة للمظروف وكذلك إذا قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فقد وصفه بعوضه

والثاني: إن نحاة الكوفة يسمون حروف الجر ونحوها حروف الصفات فلما كان هذا فلما كان معلقا بالحروف التي قد تسمى حروف الصفات سمي طلاقا بصفة كما لو قال أنت طالق بألف

والوجه الأول هو الأصل فإن هذا يعود إليه إذا النحاة إذا سموا حروف الجر حروف الصفات لأن الجار والمجرور يصير في المعنى صفة لما تعلق به فإن كان الشافعي وغيره إنما اعتمدوا في الطلاق الموصوف على الطلاق المذكور في القرآن وقاسوا كل طلاق بصفة عليه صار هذا كما أن النذر المعلق بشرط مذكور في قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين }

ومعلوم أن النذر المعلق بشرط هو نذر بصفة فقد فرقوا بين النذر المقصود شرطه وبين النذر المقصود عدم شرطه الذي خرج مخرج اليمين فلذلك يفرق بين الطلاق المقصود وصفه كالخلع حيث المقصود فيه العوض والطلاق المحلوف به الذي يقصد عدمه وعدم شرطه فإنه إنما يقاس بما في الكتاب والسنة وما أشبهه ومعلوم ثبوت الفرق بين الصفة المقصودة وبين الصفة المحلوف عليها التي يقصد عدمها كما فرق بينهما في النذر سواء

والدليل على هذا القول الكتاب والسنة والأثر والاعتبار

أم الكتاب: فقوله سبحانه: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم } فوجه الدلالة أن الله قال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون إن الله قد فرض لها تحلة وذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الأفراد النبي صلى الله عليه و سلم مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى فلو فرض يمين واحد ليس لها تحلة لكان مخالفا للآية كيف وهذا عام لم تخص فيه صورة واحدة لا بنص ولا بإجماع بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي فإن اليمين معقود يوجب منع المكلف من الفعل فشرع التحلة لهذه العقدة مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة وهذا موجود في اليمين بالعتق والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن رحمه أو ليمنعن الواجب عليه من أداء أمانة ونحوهما فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه ثم إن وفي يمينه كان عليه من ضرر الدنيا والدين ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضا من ضرر الدين والدنيا ما لا خفاء فيه أما الدين فإنه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حالة الزوجين أما كراهة تنزيه أو كراهة تحريم فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد والعشيرة ما يكون في طلاقهما من ضرر الدين أمر عظيم وكذلك ضرر الدنيا كما يشهد به الواقع بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق لاختار فراق ماله ووطئه على الطلاق وقد قرن الله فراق الوطن بقتل النفس ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه متابعة لعطاء أنها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج صارت محصرة وجاز لها التحلل لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه وهذا ظاهر فيما إذا قال إن فعل كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي فإن هذا في نذر اللجاج والغضب بالإتفاق كما لو قال والله لأطلقنك أو لأعتق عبيدي وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى

وأيضا فإن الله قال: { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم } وذلك يقتضي أنه ما من تحريم لما أحل الله إلا والله غفور رحيم لفاعله رحيم به وأنه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم لأن قوله لأي شيء إستفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم فلو كان الحالف بالنذور والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل

وأيضا قوله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم }

والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى علم فإنه لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم وهذا لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته } أي فكفارته تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا عام ثم قال: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } وهذا عام كعموم قوله: { واحفظوا أيمانكم }

مما يوضح عمومه أنهم قد أدخلو الحلف بالطلاق في عموم قوله صلى الله عليه و سلم: [ من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك ] فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز بالطلاق موافقة لابن عباس لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه أما بصيغة القسم وأما بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى

وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة نذر اللجاج والغضب فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذا الآية وجعلوا قوله: { تحلة أيمانكم } كفارة أيمانكم عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء فإن قيل المراد في الآية اليمين بالله فقط فإن هذا هو المفهوم من مطلق اليمين ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله عقدتم الأيمان وتحلة أيمانكم منصرفا إلى اليمين المعهودة عليهم وهي اليمين بالله وحينئذ فلا يعلم اللفظ إلا المعروف عندهم والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفا عندهم ولو كان اللفظ عاما فقد علمنا أنه لم يدخل فيه اليمين التي ليست مشروعة كاليمين بالمخلوقات فلا يدخل الحلف بالطلاق ونحوه لأنه ليس من اليمين المشروعة لقوله من كان حالفا فليحلف بالله وإلا فليصمت وهذا سؤال من يقول كل يمين غير مشروطة فلا كفارة لها ولا حنث فيقال: لفظ اليمين شمل هذا كله بدليل استعمال النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله كقوله صلى الله عليه و سلم: [ النذر حلف ] وقول الصحابة لمن حلف بالهدى بالعتق كفر يمينك وكذلك فهمه الصحابة من كلام النبي صلى الله عليه و سلم كما سنذكره ولإدخال العلماء كذلك في قوله صلى الله عليه و سلم: [ من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك ] ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال: { لم تحرم ما أحل الله لك } ثم قال: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }

فاقتضى هذا أن نفس تحريم الحلال يمين كما استدل به ابن عباس وغيره وسبب نزول الآية أما تحريمه العسل وأما تحريمه مارية القبطية وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية وليس يمنيا بالله ولهذا أفتى جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وغيرهم أن تحريم الحلال يمين مكفرة إمام كفارة كبرى كالظهار وإما كفارة صغرى كاليمين بالله وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا

وأيضا فإن قوله: { لم تحرم ما أحل الله لك } أما أن يراد به لم تحرم بلفظ الحرام وإما لم تحرمه باليمين بالله تعالى ونحوهما وإما لم تحرمه مطلقا

فإن أريد الأول والثالث فقد ثبت تحريمه بغير الحلف بالله ثم فيعم وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال ومعلوم أن اليمين بالله لم يوجب الحرمة الشرعية لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا لا شرعيا فكل يوجب امتناعه من الفعل فقد حرمت عليه الفعل فيدخل في قوله: { لم تحرم ما أحل الله لك } وحينئذ فقوله: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال لأن هذا حكم ذلك الفعل فلا بد أن يطابق صوره لأن تحريم الحلال هو سبب قوله: { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم }

وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما لئلا يكون جوابا عن البعض دون البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم وهذا التقدير في قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } وأيضا فإن الصحابة فهمت العموم وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها وأيضا فنقول على الرأس سلمنا أن اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله تعالى وأن ما سوى اليمين بالله تعالى لا يلزم بها حكم فمعلوم أن من حلف بصفاته كالحلف به كما لو قال: وعزة الله تعالى أو لعمر الله أو والقرآن العظيم فإنه قد ثبت جواز الحلف بالصفات ونحوها عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة ولأن الحلف بصفاته كالاستعاذة بها وإن كانت الإستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ أعوذ بوجهك ] و [ أعوذ بكلمات الله التامات ] و [ أعوذ برضاك من سخطك ] ونحو ذلك وهذا أمر متقرر عند العلماء وإذا كان كذلك فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو الحلف بصفات الله

فإنه إذا قال إن فعلت كذا فعلي الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكم من أحكام الله تعالى وهو من صفاته وكذلك لو قال: فعلي تحرير رقبة وإذ قال: فامرأتي طالق وعبدي حر فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أن الإيجاب من صفات الله تعالى وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } فجعل صدوره في النكاح والطلاق والخلع من آياته لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله كما يعقد النذر لله فإن قوله علي الحج والصوم عقد الله ولكن إذا كان حالفا فهو لم يقصد العقد لله بل قصد الحلف به فإذا حنث ولم يوف به فقد ترك ما عقد الله كما أنه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده بالله

يوضح ذلك: أنه إذا حلف بالله أبو بغير الله مما يعظمه بالحلف فإنما حلف به ليعقد به المحلوف عليه به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه به لأنه يعظمه في قلبه إذا ربط به شيئا لم يجده فإذا حل ما ربطه به فقد انتقصت عظمته من قلبه وقطع السبب الذي بينه وبينه وكما قال بعضهم اليمين العقد على نفسه لحق من له حق ولهذا إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار كما قال تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } وذكرها النبي صلى الله عليه و سلم في عد الكبائر وذلك أنه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدا به فقد نقض الصلة التي بينه وبين ربه بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه أو تبرأ من الله بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه التعظيم لله لكن الله أباح له حل هذا العقد الذي عقده كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة أو يزيل عند وجوبها ولهذا قال أكثر أهل العلم: إذا قال هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل ذلك فهي يمين بمنزلة قوله والله لأفعلن لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله فيكون قد ربط الفعل بإيمانه بالله وهذا هو حقيقة الحلف بالله فربط الفعل بأحكام الله من الإيجاب والتحريم أدنى حالا من ربطه بالله

يوضح ذلك: أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله وهو ما في قلبه من حلال الله وإكرامه الذي هو حد الله ومثله الأعلى في السموات والأرض كما أنه إذا سبح لله وذكره فهو مسبح لله وذاكرا له بقدر ما في قلبه من معرفته وعبادته ولذلك جاء التسبيح تارة لإسم الله كما في قوله: { سبح اسم ربك الأعلى } وتارة كما في قوله: { وسبحوه بكرة وأصيلا } وكذلك الذكر كما في قوله: { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } مع قوله: { اذكروا الله ذكرا كثيرا }

فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه أو الحلف به أو الاستعاذة به فهو مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته علما وفضلا وإجلالا وإكراما وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك كما قال سبحانه: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } وكما في موضع آخر: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فلو اعتبر الشارع ما في لفظة القسم من انعقاده بالإيمان وارتباطه به دون قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث بغير إيمانه وتزول حقيقته كما قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وكما أنه إذا حلف على ذلك يمينا فاجرة كانت من الكبائر وإذا اشترى بها مالا معصوما فلا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم لكن الشارع علم أن الحالف بها ليفعلن أو لا يفعلن ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق به لغرض الحالف اليمين الغموس فشرع له الكفارة وحل هذا العقد وأسقطها عن لغو اليمين لأنه لم يعقد قلبه شيئا من الجناية على ايمانه فلا حاجة إلى الكفارة وإذا ظهر أن موجب لفظ اليمين انعقاد الفعل بهذا اليمين الذي هو إيمانه بالله فإذا عدم الفعل كان مقتضى لفظه عدم إيمانه هذا لولا ما شرع الله من الكفارة كما أن مقتضى قوله: إن فعلت كذا أوجب علي كذا أنه عند الفعل يجب ذلك الفعل لولا ما شرع الله من الكفارة

يوضح ذلك: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال ] أخرجاه في الصحيحين فجعل اليمين الغموس في قوله ويهودي أو نصراني إن فعل كذا كالغموس في قوله والله ما فعلت كذا إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده من الله حيث علق الايمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود بخلاف اليمين على المستقبل وطرد هذا المعنى أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر الطلاق أو العتاق وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء وبهذا يحصل الجواب عن قولهم المراد به اليمين المشروعة

وأيضا قوله سبحانه وتعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم } فإن السلف مجمعون أو كالمجمعين على أن معناها أنكم لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا أو ليفعل مكروها أو حراما ونحوه فإن قيل له إفعل ذلك أو لا تفعل هذا قال قد حلفت بالله فيجعل الله عرضة ليمينه فإذا كان قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعا لهم في الحلف من البر والتقوى والحلف بهذه الأيمان إن كان داخلا في عموم الحلف به وجب أن لا يكون مانعا من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى فإنه إذا نهى أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا وإذا تبين أننا منهيون عن أن نجعل شيئا من الأشياء عرضة لإيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس فمعلوم أن ذلك إنما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به فإذا حلف الرجل بالنذر أو الطلاق أو بالتعلق وأن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح فهو بين أمرين أن وفى بذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضه ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور فقد يكون خروج أهله وماله منه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى وإن خرج عن أهله وماله وترك البر والتقوى فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة

وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة ففي الصحيحين من حديث همام قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه ] رواه البخاري أيضا من حديث عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم: [ من استنتج في أهله بيمين فهو أعظم إثما ] فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم إثما من التكفير واللجاج التمادي في الخصومة ومنه قبل رجل لجوج إذا تمادى في الخصومة ولهذا سمى العلماء هذا نذر اللجاج والغضب فإنه يلج حتى يعقده ثم يلج في الامتناع من الحنث فبين النبي صلى الله عليه و سلم أن اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة وهذا عام في جميع الأيمان

وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعبد الرحمن بن سمرة: [ إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفرعن يمينك ] أخرجاه في الصحيحين وفي رواية الصحيحين: [ فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ] روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: [ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ] وفي رواية: [ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ]

وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها وهو أن يكون المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من تركه أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله فقد أمره النبي صلى الله عليه و سلم أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه وقوله هنا على يمين هو والله أعلم من باب تسمية المفعول باسم المصدر سمي الأمر المحلوف عليه يمينا كما يسمى المخلوق خلقا والمضروب ضربا والمبيع بيعا ونحو ذلك وكذلك أخرجاه في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري في قصته وقصة أصحابه به لما جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم ليستحملوه فقال: [ والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ] ثم قال: [ إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير ] وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير ] وفي رواية لمسلم: [ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفرها وليأت الذي هو خير ]

وقد رويت هذه السنة عن النبي صلى الله عليه و سلم من غير هذه الوجوه من حديث عبد الله بن عمر وعوف بن مالك الجشمي فهذه نصوص رسول الله صلى الله عليه و سلم المتواترة أنه أمر من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير ولم يفرق بين الحلف بالله أن النذر ونحوه وروى النسائي عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته ] وهذا صريح بأنه قصد تعميم كل يمين في الأرض وكذلك الصحابة فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام فروى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد ابن زريع حدثنا حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة فكل مال لي في رتاج الكعبة فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك كفر عن يمينك وكلم أخاك سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: [ لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك ]

فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب بأن يكفر يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور واحتج بما سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم وفيما لا يملك ] ففهم من هذا أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر وإنما عليه الكفارة كما أفتاه عمر ولولا أن هذا النذر كان عنده يمينا لم يقل له كفر عن يمينك وإنما قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ لا يمين ولا نذر ] لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع والنذر ما قصد به التقرب وكلاهما لا يوفي به المعصية والقطيعة وفي هذا الحديث دلالة أخرى وهو أن قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ لا يمين ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ] يعلم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا سواء كان اليمين بالله أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي أو كانت بتحريم الحلال كالظهار والطلاق والعتاق ومقصود النبي صلى الله عليه و سلم إما أن يكون نهيه عن فعل المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط

أو يكون مقصوده مع ذلك أن لا يلزمه ما في اليمين والنذور من الإيجاب والتحريم وهذا الثاني هو الظهار لاستدلال عمر بن الخطاب به فإنه لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما أجاب به السائل من الكفارة دون إخراج المال في كسوة الكعبة ولأن لفظ النبي صلى الله عليه و سلم يعلم ذلك كله

وأيضا كما تبين دخول الحلف بالنذر والطلاق والعتاق في اليمين والحلف في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه و سلم ما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ من حلف يمين وقال إن شاء الله فلا حنث عليه ] رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن وأبو دادود ولفظه: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى ] رواه أيضا من طريق عبد الرزاق عن نافع ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ من حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث ] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث ] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ولفظه فله ثنيا والنسائي وقال: فقد استثنى ثم عامة الفقهاء أدخلو الحلف بالنذر وبالطلاق وبالعتاق في هذا الحديث وقالوا ينفع الإستثناء بالمشيئة بل كثير من أصحاب أحمد يجعل الحلف بالطلاق لا خلاف فيه في مذهبه وإنما الخلاف فيما إذا كان بصيغة الجزاء وإنما الذي لا يدخل عند أكثرهم هو نفس إيقاع الطلاق والعتاق والفرق بين إيقاعهما والحلف بهما ظاهر وسنذكر إن شاء الله قاعدة الإستثناء فإذا كانوا قد أدخلوا الحلف بهذه الأشياء في قوله: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه فكذلك يدخل في قوله: [ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ] فإن كلا اللفظين سواء وهذا واضح لمن تأمله فإن قوله صلى الله عليه و سلم من حلف على يمين فقال إن شاء فلا حنث عليه لفظ العموم فيه مثله في قوله من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي خير وليكفر عن يمينه وإذا كان لفظ رسول الله صلى الله عليه و سلم في حكم الإستثناء هو لفظه في حكم الكفارة وجب أن يكون كل ما ينفع فيه الإستثناء ينفع فيه التكفير وكل ما ينفع فيه التكفير ينفع فيه الإستثناء كما نص عليه أحمد في غير موضع ومن قال ان لرسول الله صلى الله عليه و سلم قصد بقوله من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه جميع الايمان التي يحلف بها من اليمين بالله وبالنذر وبالطلاق وبالعتاق وبقوله من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها إنما قصد به التمين بالله أو اليمين بالله والنذر فقوله ضعيف فإن موجب حضور أحد اللفظين بقلب النبي صلى الله عليه و سلم مثل حضور موجب اللفظ الآخر كلاهما لفظ واحد والحكم فيهما من جنس واحد وهو رفع اليمين أما بالإستثناء وإما بالتكفير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت