والقسم الثالث: ما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم فيه أنه سن الأمرين لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول الحديث تأويلا ضعيفا والصواب في مثل هذا أن كل ما سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم لأمته فهو مسنون لا ينهي عن شيء منه وإن كان بعضه أفضل من ذلك
فمن ذلك أنواع التشهدات: فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم تشهد ابن مسعود وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد أبي موسى وألفاظه قريبة من ألفاظه وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد ابن عباس
وفي السنن تشهد ابن عمر وعائشة وجابر وثبت في الموطأ وغيره أن عمر بن الخطاب علم المسلمين تشهدا على منبر النبي صلى الله عليه و سلم ولم يكن عمر ليعلمهم تشهدا يقرونه عليه إلا وهو مشروع فلهذا كان الصواب عند الأئمة المحققين أن التشهد بكل من هذه جائز لا كراهه فيه ومن قال: إن الاتيان بألفاظ تشهد ابن مسعود واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد فقد أخطأ
ومن ذلك الأذان والإقامة: فإنه قد ثبت في الصحيح عن أنس أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الاقامة وثبت في الصحيح [ أنه علم أبا محذورة الأذان والاقامة فرجع في الأذان وثنى الإقامة ] وفي بعض طرقه أنه كبر في أوله أربعا كما في السنن وفي بعضها أنه كبر مرتين كما في صحيح مسلم
وفي السنن أن أذان بلال الذي رواه عبد الله بن زيد ليس فيه ترجيع للأذان ولا تثنية للإقامة فكل واحد من أذان بلال وأبي محذورة سنة فسواء رجع المؤذن في الأذان أو لم يرجع وسواء أفرد الإقامة أو ثناها فقد أحسن واتبع السنة
ومن قال: إن الترجيع واجب لا بد منه أو أنه مكروه منهي عنه فكلاهما مخطئ وكذلك من قال أن أفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه فقد أخطأ وأما اختيار أحدهما فهذا من مسائل الاجتهاد كاختيار بعض القراءات على بعض واختيار بعض التشهدات على بعض
ومن هذا الباب أنواع صلاة الخوف التي صلاها رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك أنواع الاستسقاء فإنه استسقى مرة في مسجده بلا صلاة الاستسقاء ومرة خرج إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين وكانوا يستسقون بالدعاء بلا صلاة كما فعل ذلك خلفاؤه فكل ذلك حسن جائز
ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر في رمضان: فإن الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا الفطر وأنه لو صام لم يجزئه وزعموا أن الأذن لهم في الصوم في السفر منسوخ بقوله: [ ليس من البر الصيام في السفر ] والصحيح ما عليه الأئمة وليس في هذا الحديث ما ينافي إذنه لهم في الصيام في السفر فإنه نفى أن يكون من البر ولم ينف أن يكون جائزا مباحا والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح إذا أتى بالمأمور به
والمراد به كونه في السفر ليس من البر كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح أو صام وأضحى للشمس فإنه يقال: ليس من البر الصيام في الشمس ولهذا قال سفيان بن عيينة: معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم
ففي هذا ما دل على أن الفطر أفضل فإنه آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه و سلم فإنه صام أولا في السفر ثم أفطر فيه ومن كان يظن أن الصوم في السفر نقص في الدين فهذا مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقدا وجوب الصوم عليه وتحريم الفطر فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أن حمزة بن عمرو سأله فقال: إنني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر ؟ فقال: [ إن أفطرت فحسن وإن صمت فلا بأس ] فإذا فعل الرجل في السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره فقد أحسن فإن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر أما إذا كان الصوم في السفر أشق عليه من تأخيره فالتأخير أفضل فإن في المسند عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ] وأخرجه بعضهم إما ابن خزيمة وإما غيره في صحيحه وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة صحيحي البخاري ومسلم
وأما صوم يوم الغيم: إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان فكان في الصحابة من يصومه احتياطا وكان منهم من يفطر ولم نعلم أحدا منهم أوجب صومه بل الذين صاموه إنما صاموه على طريق التحري والاحتياط والآثار المنقولة عنهم صريحة في ذلك كما نقل عن عمر وعلي ومعاوية وعبد الله ابن عمر وعائشة وغيرهم
والعلماء متنازعون فيه على أقوال: منهم من نهى عن صومه نهي تحريم أو تنزيه كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ومنهم من يوجبه كما يقول ذلك طائفة من أصحاب أحمد ومنهم من يشرع فيه الأمرين بمنزلة الإمساك إذا غم مطلع الفجر وهذا مذهب أبي حنيفة وهو المنصوص عن أحمد فإنه كان يصومه على طريق الاحتياط اتباعا لابن عمر وغيره لا على طريق الإيجاب كسائر ما يشك في وجوبه فإنه يستحب فعله احتياطا من غير وجوب
وإذا صامه الرجل بنية معلقة بأن ينوي إن كان من رمضان اجزأه وإلا فلا فتبين أنه من رمضان أجزأه ذلك عند أكثر العلماء وهو مذهب أبي حنيفة وأصح الروايتين عن أحمد وغيره فإن النية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله نواه بغير اختياره وأما إذا لم يعلم الشيء فيمتنع أن يقصده فلا يتصور أن يقصد صوم رمضان جزما من لم يعلم أنه من رمضان
وقد يدخل في هذا الباب القصر في السفر والجمع بين الصلاتين والذي مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يقصر في السفر فلا يصلي الرباعية في السفر إلا ركعتين وكذلك الشيخان بعده أبو بكر ثم عمر
وما كان يجمع في السفر بين الصلاتين إلا أحيانا عند الحاجة لم يكن جمعه كقصره بل القصر سنة راتبة والجمع رخصة عارضة فمن نقل عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه ربع في السفر الظهر أو العصر أو العشاء فهذا غلط فإن هذا لم ينقله عنه أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولكن روى بعض الناس حديثا عن عائشة أنها قالت: [ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في السفر يقصر وتتم ويفطر وتصوم فسألته عن ذلك فقال: أحسنت يا عائشة ] فتوهم بعض العلماء أنه هو كان الذي يقصر في السفر ويتم وهذا لم يروه أحد ونفس الحديث المروي في فعلها باطل ولم تكن عائشة ولا أحد غيرها ممن كان مع النبي صلى الله عليه و سلم يصلي إلا كصلاته ولم يصل معه أحد أربعا قط لا بعرفة ولا بمزدلفة ولا غيرهما لا من أهل مكة ولا من غيرهم بل جميع المسلمين كانوا يصلون معه ركعتين وكان يقيم بمنى أيام الموسم يصلي بالناس ركعتين وكذلك بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان في أول خلافته ثم صلى بعد ذلك أربعا لأمور رآها تقتضي ذلك فاختلف الناس عليه فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه
ولم يجمع النبي صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع إلا بعرفة وبمزدلفة خاصة لكنه كان إذا جد به السير في غير ذلك من أسفاره أخر المغرب إلى بعد العشاء ثم صلاهما جميعا ثم أخر الظهر إلى وقت العصر فصلاهما جميعا ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن القصر في السفر يجوز سواء نوى القصر أم لم ينوه وكذلك الجمع حيث يجوز له سواء نواه مع الصلاة الأولى أو لم ينوه فإن الصحابة لما صلوا خلف النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة الظهر ركعتين ثم العصر ركعتين لم يأمرهم عند افتتاح صلاة الظهر بأن ينووا الجمع ولا كانوا يعلمون أنه يجمع لأنه لم يفعل ذلك في غير سفرته تلك ولا أمر أحدا خلفه لا من أهل مكة ولا غيرهم أن ينفرد عنه لا بتربيع الصلاتين ولا بتأخير صلاة العصر بل صلوها معه
وقد اتفق العلماء على جواز القصر في السفر واتفقوا أنه الأفضل إلا قولا شاذا لبعضهم واتفقوا أن فعل كل صلاة في وقتها في السفر أفضل إذا لم يكن هناك سبب يوجب الجمع إلا قولا شاذا لبعضهم
والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز في غير السفر وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر فإذا احتاج إليه جمع في السفر القصير والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه وللمرض ونحوه ولغير ذلك من الأسباب فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة ولم يرد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه جمع في السفر وهو نازل إلا في حديث واحد ولهذا تنازع المجوزون للجمع كمالك والشافعي وأحمد: هل يجوز الجمع للمسافر النازل ؟ فمنع منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجوزه الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى ومنع أبو حنيفة الجمع إلا بعرفة ومزدلفة
ومن هذا الباب التمتع والإفراد والقران في الجج فإن مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الأمة جواز الأمور الثلاثة
وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا التمتع وهو قول ابن عباس ومن وافقه من أهل الحديث والشيعة وكان طائفة من بني أمية ومن اتبعهم ينهون عن المتعة ويعاقبون من تمتع
وقد تنازع العلماء في حج النبي صلى الله عليه و سلم: هل تمتع فيه أو أفرد أو قرن ؟ وتنازعوا أي الثلاثة أفضل ؟ فطائفة من أصحاب أحمد تظن أنه تمتع تمتعا حل فيه من إحرامه وطائفة أخرى تظن أنه أحرم بالعمرة ولم يحرم بالحج حتى طاف وسعى للعمرة
وطائفة من أصحاب مالك والشافعي تظن أنه أفرد الحج واعتمر عقيب ذلك وطائفة من أصحاب أبي حنيفة تظن أنه قرن قرانا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين وطائفة تظن أنه أحرم مطلقا وكل ذلك خطأ لم تروه الصحابة رضوان الله عليهم بل
عامة روايات الصحابة متفقة ومن نسبهم إلى الاختلاف في ذلك فلعدم فهمه أحكامهم فإن الصحابة نقلوا أن النبي صلى الله عليه و سلم تمتع بالعمرة إلى الحج هكذا الذي نقله عامة الصحابة ونقل غير واحد من هؤلاء وغيرهم أنه قرن بين العمرة والحج وأنه أهل بهما جميعا كما نقلوا أنه اعتمر مع حجته مع اتفاقهم على أنه لم يعتمر بعد الحج بل لم يعتمر معه من أصحابه بعد الحج إلا عائشة لأجل حيضتها
ولفظ المتمتع في الكتاب والسنة وكلام الصحابة اسم لمن جمع بين العمرة والحج في أشهر الحج سواء أحرم بهما جميعا أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج أو أحرم بالحج بعد تحلله من العمرة وهذا هو التمتع الخاص في عرف المتأخرين وأحرم بالحج بعد قضاء العمرة قبل التحلل منها لكونه ساق الهدي أو مع كونه لم يسقه وهذا قد يسمونه متمتعا التمتع الخاص وقارنا وقد يقولون لا يدخل في التمتع الخاص بل هو قارن
وما ذكرته من أن القران يسمونه تمتعا جاء مصرحا به في أحاديث صحيحة وهؤلاء الذين نقلوا أنه تمتع نقل بعضهم أنه أفرد الحج فإنه أفرد أعمال الحج ولم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدي فهو لم يتمتع متعة حل فيها من إحرامه فلهذا صار كالمفرد من هذا الوجه
وأما الأفضل لمن قدم في أشهر الحج ولم يسق الهدي: فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل له كما أمر النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه في حجة الوداع فإنه أمر كل من لم يسق الهدي بالتمتع ومن ساق الهدي فالقران له أفضل كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم ومن اعتمر
في سفرة وحج في سفرة أو اعتمر قبل أشهر الحج وأقام حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل من التمتع والقران باتفاق الأئمة الأربعة
وأما القسم الرابع: فهو مما تنازع العلماء فيه: فأوجب أحدهم شيئا أو استحبه وحرمه الآخر والسنة لا تدل إلا على أحد القولين لم تسوغهما جميعا فهذا هو أشكل الأقسام الأربعة وأما الثلاثة المتقدمة فالسنة قد سوغت الأمرين
وهذا مثل تنازعهم في قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر فإن للعلماء فيه ثلاثة أقوال قيل: ليس له أن يقرأ حال جهر الإمام إذا كان يسمع لا بالفاتحة ولا في غيرها وهذا قول الجمهور من السلف والخلف وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم وأحد قولي الشافعي وقيل: بل يجوز الأمران والقراءة أفضل ويروى هذا عن الأوزاعي وأهل الشام والليث بن سعد وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم وقيل: بل القراءة واجبة وهو القول الآخر للشافعي
وقول الجمهور هو الصحيح فإن الله سبحانه قال: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } قال أحمد: أجمع الناس على أنها نزلت في الصلاة وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك ] الحديث إلى آخره وروي هذا اللفظ من حديث أبي هريرة أيضا وذكر مسلم أنه ثابت: فقد أمر الله ورسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ وجعل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك من جملة الإئتمام به فمن لم ينصت له لم يكن قد ائتم به ومعلوم أن الإمام يجهر لأجل المأموم ولهذا يؤمن المأموم على دعائه فإذا لم يستمع لقراءته ضاع جهره ومصلحة متابعة الإمام مقدمة على مصلحة ما يؤمر به المنفرد ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في وتر من صلاته فعل كما يفعل فيتشهد عقيب الوتر ويسجد بعد التكبير إذا وجده ساجدا كل ذلك لأجل المتابعة فكيف لا يستمع لقراءته ! مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة فإن المستمع له مثل أجر القارئ
ومما يبين هذا اتفاقهم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على الفاتحة إذا جهر فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه للإمام وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ لم يحتج إلى قراءته فلا يكون فيها منفعة بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام لكون الصلاة صلاة مخافتة أو لبعد المأموم أو طرشه أو نحو ذلك هل الأولى له أن يقرأ أو يسكت ؟ والصحيح أن الأولى له أن يقرأ في هذه المواضع لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة وإلا بقي ساكتا لا قارئا ولا مستمعا ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأمورا بذلك ولا محمودا بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى: كالقراءة والتسبيح والدعاء أو الإستماع للذكر
وإذا قيل: بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة فقراءته لنفسه أكمل له وأنفع له وأصلح لقلبه وأرفع له عند ربه والإنصات لا يؤمر به إلا حال الجهر فأما حال المخافتة فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له
ومن هذا الباب: فعل الصلاة التي لها سبب مثل تحية المسجد بعد الفجر والعصر فمن العلماء من يستحب ذلك ومنهم من يكرهه كراهة تحريم أو تنزيه والسنة إما أن تستحبه وإما أن تكرهه والصحيح قول من استحب ذلك وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين إختارها طائفة من أصحابه فإن أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مثل قوله: [ لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ] عموم مخصوص خص منها صلاة الجنائز باتفاق المسلمين وخص منها قضاء الفوائت بقوله: [ من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ]
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قضى ركعتي الظهر بعد العصر وقال للرجلين اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر في مسجد الخيف: [ إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة ] وقد قال: [ يا بني عبد مناف ! لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار ] فهذا المنصوص يبين أن ذلك العموم خرجت منه صورة
أما قوله: [ إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] فهو أمر عام لم يخص منه صورة فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص بل العموم المحفوظ أولى من العموم المخصوص
وأيضا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشد من الصلاة بعد الفجر والعصر وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: [ إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ] فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهي فكذلك في وقت ذلك النهي وأولى ولأن أحاديث النهي في بعضها لا تتحروا بصلاتكم فنهى عن التحري للصلاة ذلك الوقت ولأن من العلماء من قال: إن النهي فيها نهي تنزيه لا تحريم
ومن السلف من جوز التطوع بعد العصر مطلقا واحتجوا بحديث عائشة لأن النهي عن الصلاة إنما كان سدا للذريعة إلى التشبه بالكفار وما كان منهيا عنه للذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة كالصلاة التي لها سبب تفوت بفوات السبب فإن لم تفعل فيه وإلا فاتت المصلحة والتطوع المطلق لا يحتاج إلى فعله وقت النهي فإن الإنسان لا يستغرق الليل والنهار بالصلاة فلم يكن في النهي تفويت مصلحة وفي فعله فيه مفسدة بخلاف التطوع الذي له سبب يفوت: كسجدة التلاوة وصلاة الكسوف ثم إنه إذا جاز ركعتا الطواف مع إمكان تأخير الطواف فما يفوت أولى أن يجوز
وطائفة من أصحابنا يجوزون قضاء السنن الرواتب دون غيرها لكون النبي صلى الله عليه و سلم قضى ركعتي الظهر وروي عنه أنه رخص في قضاء ركعتي الفجر فيقال إذا جاز قضاء السنة الراتبة مع إمكان تأخيرها فما يفوت كالكسوف وسجود التلاوة وتحية المسجد أولى أن يجوز بل قد ثبت بالحديث الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت مع أنه قد يستحب تأخير قضائها كما أخر النبي صلى الله عليه و سلم قضاء الفجر لما نام عنها في غزوة خيبر وقال: إن هذا واد حضرنا فيه الشيطان فإذا جاز فعل ما يمكن تأخيره فما لا يمكن ولا يستحب تأخيره أولى وبسط هذه المسائل لا يمكن في هذا الجواب