فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 853

قوله: {خَالِصَةٌ} : أُنّثت (ما) لتأنيث (الأنْعَامِ) ، لأن ما في بطونها ملتبس بها، كما قال:

مشين كما اهتزّت رماح تَسَفّهَتْ ... أعاليها مَرُّ الرِيّاح النواسم

فأنِّث، لأن المَرُّ من الرياح، هذا قول الفراء.

وقال الكسائي والأخفش: دخل التأنيث للمبالغة. وقيل:"التأنيث على معنى (ما) ، والتذكير على اللفظ"، كذا قرأ ابن عباس (خَالِصُهُ) بالتذكير، والمعنى: ما خلص منه حيًا لذكورنا.

{وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا} يعني الإناث"."

وقرأ الأعمش (خَالصٌ) بغير هاء، على التذكير على اللفظ، ولأن بعده {وَمُحَرَّمٌ} .

وهذه الآية - في قراءة الجماعة - أتت على خلاف نظائرها في القرآن، لأن ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، إنما يتقدم أولًا الحمل على اللفظ ثم يليه الحمل على المعنى، نحو: {مَنْ آمَنَ بالله} [البقرة: 62] ثم قال: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 62] ، ونحو {وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15] ثم قال: {وَظِلالُهُم} [الرعد: 15] ، وهو كثير، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، يتقدم الحمل على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى. وهذه الآية تقدم الحمل فيها على المعنى فقال: (خالِصَة) ، ثم حمل بعد ذلك على اللفظ فقال {وَمُحَرَّمٌ} . ومثله قوله: {كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] ، فقال أولًا (سَيئةً) فأنث وحمل على معنى (كل) ، لأنها اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال بعد ذلك (مَكْروهًا) ، فذكّر على لفظ (كل) ، وهذا إنما هو على قراءة نافع ومن تابعه.

وكذلك {مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} [الزخرف: 12 - 13] ، فجمع"الظهور"حملًا على معنى (ما) ، ووحّد الهاء حملًا على لفظ (ما) . وحكي عن العرب:"ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أَنْفُسِهِ"، فجمع"الأنفس"ووحّدُ الهاء وذكّرَها.

ومن قرأ (يَكُن) بالياء، رده على لفظ (ما) ، وردّه أيضًا على ما بعده، لأن بعده (فَهُمْ فيه) ،

ولم يقل:"فيها"، والمعنى: وإن يكن ما في بطونها ميتةً.

ومن رفع (مَيْتَةٌ) جعل"كان"بمعنى"وقع"، وقال الأخفش: التقدير:"وإن تكن في بطونها ميتةٌ"، جعل الخبر محذوفًا.

ومن قرأ بالتاء، أنّث على معنى (ما) . وقيل: التقدير:"وإن تكن النّسمة ميتةً".

وهي لما في بطون الأنعام التي يسمونها الوصيلة، وهي الشاة: كانت إذا ولدت ستة أبطن: عناقَيْن عناقيْن، وولدت في السابع عناقًا وجديًا، قالوا: وصلت أخاها، فكان لبنها حلالًا للرجال حرامًا للنساء، فإن ماتت أحل لحمها للرجال والنساء، فعابهم الله بهذه الأحكام التي لم يؤمروا بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت