-ثم قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} .
أي: اذكر يا محمد يوم يبدو أمر عظيم، وذلك يوم القيامة.
قال ابن عباس: يوم يكشف عن ساق، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم.
وقرأ ابن عباس:"يوم نَكشِف"بالنون.
وقرأ ابن مسعود:"يوم يَكشِف"بفتح الياء وكسر الشين.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ"يوم تَكشِف"بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها.
وروى مجاهد عن ابن عباس:"عن ساق"قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي أفظعها وأشدها.
وقال ابن جبير:"عن ساق": عن شدة الأمر"."
وقال قتادة {عَن سَاقٍ} عن أمر فظيع لهم جليل.
وعن ابن مسعود أنه قال:"يتمثل للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، فينتهرهم مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه. (قال) : فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهروهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون."
قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله. فيعرفونه تعالى [أظهر] من قدرته إليهم.
ولا يحل لأحد أن يتأول في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، فغير جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخالق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرً.
وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل الدعوة، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس) ! فيقولون: ننتظر أن ينادى بنا.
قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإنه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل صياصي البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم. ثم ذكر قصة طويلة.
وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وأطول.
والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد.
وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة.
وقوله: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} .
أي: ويدعى أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود.
ودل على على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه.
ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذا دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا.
روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود.
ثم قال تعالى: {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون. . .} ؟
أي: وقد كانوا في الدنيا يدعون إلى أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذلك مانع فلم يفعلوا.
وقيل: السجود الذي كانوا يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة. قاله الشعبي.
وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون.
قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون.
وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وَبَيْنَ كُلِّ مُؤمنين مُنَافِقُ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُود، ويجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً".