وقوله {فَلْيُؤْمِن} و {فَلْيَكْفُرْ} لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله
{تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ} [هود: 65] وقوله: {وَلِيَتَمَتَّعُواْ} [العنكبوت: 66] وشبهه كثير.
والأمر من الله [عز وجل] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه.
ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: {وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} [النور: 32] وقوله: {وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]
وفيه اختلاف. فهذا لا يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [عز وجل] إليه.
ومنه ما معناه الإباحة والإطلاق نحو قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} [المائدة: 2] وقوله: {فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [البقرة: 222] فهذا إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه.
ومنه ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وقوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117 - يس: 82] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر.
وكل أوامر النبي [صلى الله عليه وسلم] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس يكون إلا لله عز وجل، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا صلى الله عليه وسلم لشجرة دعاها:"أقبلي"فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها:"ارجعي"فرجعت إلى مكانها [[1] ]، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها من غيره بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير.