فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 853

نفى الله عز وجل بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي عليه السلام - في عيسى - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} ، وأن ذلك شهد به هو، وملائكته وأهل العلم من خلقه.

قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام. . .}

ومن كسر (إنَّ) فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأنَّ الدين.

وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى الدين الذي هو التوحيد.

وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبرًا وتفتح (أنَّ الدين) برفع الشهادة عليها.

وقد ألزم من قرأ بالفتح في (أنَّ الدين) أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام، لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيدًا عالم، وأن زيدًا بصير، والثاني هو الأول.

وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى الموت يسبق الموت شيء.

على التعظيم للموت.

والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار فيما يمكن أن يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار، والآية لا يمكن ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا هو، فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة بعد مرة يوهم أن الثاني غير الأول.

فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من الإظهار بعد الإظهار، إذ زيد وغيره يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ليس ثم غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار مع زوال الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم.

وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره {إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام} فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما هو أدون، ويدل على ذلك قوله: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] .

فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ونحو قوله {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم.

وقد قيل:"إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت