قال ابن عباس:"إلا ليتميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة".
والتقدير: وما جعلنا صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة إلاّ لنعلم علم عيان تجب عليه المجازاة، من يتّبع الرسول على قبلته ممن يرجع عن إيمانه فيخالف الرسول.
وقيل: المعنى: إلا لنُعْلِم رسولي وأوليائي ذلك.
ومن شأن العرب إضافة ما فعله أتباع الرئيس وحزبه إليه، يقولون:"جبى الأمير الخراج وهزم العدو، وإنما فعله حزبه وأنصاره."
ومثله في المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل:"مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي"يريد به عباده.
وقيل:"علم"هنا بمعنى"رأى"، فالمعنى: إلا لنرى من يتبع.
وقيل: إنهم خوطبوا على ما كانوا يسرون؛ كان اليهود والمنافقون والكفار ينكرون أن يعلم الله عز وجل الشيء قبل كونه، فيكون المعنى: إلا لنبين لكم أنّا نعلم الأشياء قبل كونها.
وقيل: إنما قال:"لنعلم"على طريق الرفق بعباده، واستمالتهم إلى الطاعة كما قال: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى} [سبأ: 24] . وقد علم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على هدى، وأن الكفار على ضلال.
فالمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ أنتم جهال به، فأضاف الفعل إلى نفسه، والمراد خلافه رفقًا به.
{وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}
قال ابن عباس:"لما توجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؛ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} . وهذا معنى قول قتادة وغيره."
وإنما أتى الجواب على الخطاب لهم دون الأموات، لأن الأموات غُيَّبٌ والسائلون عن ذلك مخاطبون. والعرب تغلب المخاطب على الغائب، فلذلك قال: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} .
ولم يقل إيمانهم.