قوله: {يا أيها النبي} ، ثم قال: {في أَيْدِيكُمْ} ، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى.
وقيل: المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى.
وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته.
قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب. ونوفل بن الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفًا للعباس.
قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا".
وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالًا، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك"، فقال له العباس: ما لي مال غيره، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عند أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا،"
فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: {يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ، الآية.
فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيرًا مما أخذ مني.
فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه.