قال الأخفش، وقطرب: {ثُمَّ} هنا بمعنى"الواو".
ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم صورناه، {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا} له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ] } [آل عمران: 59] .
وقيل المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الناس في ظهر آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال السدي المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} ، أي: خلقنا آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يعني: ذريته في الأرحام.
وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل للجميع، فكأن خلقه خلق الجميع.
والعرب تجعل مخاطبة الرجل لآبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} [البقرة: 63] ، فالخطاب لمن كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة.
وقال عكرمة المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الناس نطفًا في أصلاب آبائكم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في الأرحام.
وقال مجاهد المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني: آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في ظهر آدم.
وقيل المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} في بطون أمهاتكم، يعنى: النطفة والعلقة، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} بعد ذلك في البطون.
واختار الطبري، قول من قال: معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صورناه.
قال: لأن بعده: {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ} ، ومعلوم أن الله تعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام) ، قبل أن يصور أحدًا من ذريته في بطون أمهاتهم.
و {ثُمَّ} للتراخي فيما بين ما بعدها وما قبلها.
وقال بعض أهل النظر: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا؛ وإن ترتيبه: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم.
وهذا بعيد عند النحويين؛ لأن"ثم"لا يجوز أن يراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر. فقد أنكر هذا القول النحاس، وغيره.