فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنه، حتى شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعث القرآن من الرِّقَاع والعُسُبِ، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] ، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه إلى كل أُفقٍ مصحفًا، وأمر بما سوى ذلك أن يُحَرَّق.
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أُنْزِل القرآن على سبعة أَحْرُف"، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، لا أن كُلَّ حرف من القرآن يقرأ على سبع لغات.
قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنه، وَجْهُ هذه الزيادة والنقص في المصحاف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أنَّ القراء يُسْنِدُونَ قراءتهم إلى إمام مِصْرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض، ولا يجوز أن يُتَوَهَّم أنها وهم من الكاتب؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن عليًا لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئًا بل استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة.