2884- أَخبَرنا أَبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، حَدَّثنا أَبو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بن يَعقُوبَ، أَخبَرنا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ، أَخبَرنا الشَّافِعِيُّ، أَخبَرنا مَالِكٌ فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ كَمَا مَضَى، ثُمَّ قَالَ: فَكَانَ هَذَا الَّذِي عَلَّمَنَا مَنْ سَبَقَنَا بِالعِلْمِ مِنْ فُقَهَائِنَا صِغَارًا، ثُمَّ سَمِعْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَسَمِعْنَا مَا خَالَفَهُ فَكَانَ الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ لاَ يُعَلِّمُ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ إِلاَّ عَلَى مَا عَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ أَصْحَابِنَا حَدِيثٌ نُثْبِتُهُ، عَن النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ صِرْنَا إِلَيْهِ وَكَانَ أَوْلَى بِنَا ...، فَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَقَالَ: يَعْنِي بَعْضَ مَنْ كَلَّمَ الشَّافِعِيَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّا نَرَى الرِّوَايَةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ، عَن النَّبِيِّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ خِلاَفَ هَذَا، وَرَوَى أَبو مُوسَى، وَجَابِرٌ وَقَدْ يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ لَفْظِهِ، ثُمَّ عَلَّمَ عُمَرُ خِلاَفَ هَذَا كُلِّهِ فِي بَعْضِ لَفْظِهِ، وَكَذَلِكَ تَشَهُّدُ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ يَزِيدُ بَعْضُهُمُ الشَّيْءَ عَلَى بَعْضٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَقُلْتُ الأَمْرُ فِي هَذَا بَيِّنٌ، كُلُّ كَلاَمٍ أُرِيدَ بِهِ تَعْظِيمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَعَلَّمَهُمُوهُ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ فَيَحْفَظُهُ أَحَدُهُمْ عَلَى لَفْظِهِ، وَيَحْفَظُهُ الآخَرُ عَلَى لَفْظٍ يُخَالِفُهُ، لاَ يَخْتَلِفَانِ فِي مَعْنًى فَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ أَجَازَ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ كَمَا حَفِظَ إِذَا كَانَ لاَ مَعْنَى فِيهِ يُحِيلُ شَيْئًا عَن حُكْمِهِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ حُرُوفِ القُرْآنِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَخبَرنا مَالِكٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بن عَبدٍ القَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بن حَكِيمِ بن حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: اقْرَأْ فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَإِذَا كَانَ اللهُ بِرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مَعْرِفَةً مِنْهُ بِأَنَّ الحِفْظَ قَدْ يزَلَ لِيَحلَ لَهُمْ قِرَاءَتَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُمْ فِيهِ، كَانَ مَا سِوَى كِتَابِ اللهِ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ فِيهِ اخْتِلاَفُ اللَّفْظِ مَا لَمْ يَخِلَّ مَعْنَاهُ.
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ: وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَعْمِدَ أَنْ يَكُفَّ عَن قِرَاءَةِ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ إِلاَّ بِنِسْيَانٍ، وَهَذَا فِي التَّشَهُّدِ وَفِي جَمِيعِ الذِّكْرِ أَخَفُّ وَقَالَ مَنْ كَلَّمَ الشَّافِعِيَّ: كَيْفَ صِرْتَ إِلَى اخْتِيَارِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّدِ دُونَ غَيْرِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: لَمَّا رَأَيْتُهُ وَاسِعًا وَسَمِعْتُهُ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا كَانَ عِنْدِي أَجْمَعَ وَأَكْثَرَ لَفْظًا مِنْ غَيْرِهِ فَأَخَذْتُ بِهِ غَيْرَ مُعَنِّفٍ لِمَنْ أَخَذَ بِغَيْرِهِ مَا ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالثَّابِتُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ، وَعَبدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ، وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ.