فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 853

وأما التكرير في {قُلْ يا أيها الكافرون} ، فإن المشركين قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) : اعبد بعض آلهتنا، ونؤمن بإلهك، فأنزل الله (عز وجل) : {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 2 - 3] ثم [[أقاما مرة] ] وقولوا له: اعبد آلهتنا وقتًا من الزمان، ونعبد إلهك مثله، فأنزل الله (عز وجل) : {وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} [الكافرون: 4 - 5] .

ومن العلة في التكرار {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، أن الله تبارك وتعالى، عَدَّدَ في"الرحمن"آلاءه ونعمه، ونبههم على ما أعد للمؤمنين من نعمة، فأتبع كل نعمة ذكرها الاستفهام بمعنى: التوبيخ، والسؤال لهم بأي نعمة يكذبون، لتكون فاصلة بين كل نعمة ذكرها وبين ما بعدها من نعمة أخرى، ليفهموا كل نعمة على انفصالها. وهذا كقول العرب للرجل: ألم أطعمك وأنت جائع؟ أفتنكر هذا؟ ألم أكسك وأنت عريان؟ أفتنكر هذا؟، ألم أغنك وأنت فقير؟ أفتنكر هذا؟ وشبهه.

ومثل: هذا تكراره: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} في سورة:"اقتربت"؛ لأنه يذكر لهم آياته، وَعِبَر ما يعتبرون به، ثم نبههم على الاعتبار والادكار بذلك، فإذا ذكر آية وعِبَرًا نبههم على الاعتبار بها، وكرر ذلك عليهم، ليكون أَفْهَم لهم.

وقد يأتي تكرار المعنى بلفظين مختلفين، وذلك للاتساع في المعنى واللفظ، نحو قولك:"آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر"، والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر.

ومثله:"آمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع".

وكقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ، والنخل والرمان من الفاكهة، فَأُفْرِدَا عن الجملة، لفضلهما.

ومثله قوله: {حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ، وهي منها، فأفردها بالذكر ترغيبًا فيها، كما تقول العرب:"ايتني كل يوم ويوم الجمعة."

ومنه قوله: {لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} [الزخرف: 80] ، والنجوى هو السر.

وقد يكون"السر": ما أسروا في أنفسهم، و"النجوى": ما تَسَارَوُا به سِرًّا، وهذا كما قال ذو الرُّمة:

لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لعَسُ ... وَفِي اللِّثاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَب

واللَّعسُ: حُوَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت