فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد وتلاقوا في الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما عُلِّمُوا، فأنكر بعضهم على بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذَّبَ بعضهم بعضًا، وعظم الأمر فيهم، وذلك في أيام عثمان.
فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفًا يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حُذَيْفة بن اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنه، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل بيته حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدْرِك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة يقرؤون بقراءة: أُبَيّ بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، وأهل العراق يقرؤون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم
يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام.
فجعل عثمان زيدًا يكتب مصحفًا وأدخل معه رجلًا فصيحًا، وهو أبان بن سعيد بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إليّ ما تختلفان فيه.