واختلف أهل العلم في هدي التطوع إذا عطب قبل محله، فقالت طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه، روي ذَلِكَ عن ابن عباس، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ورخصت طائفة [1] في الأكل منه، روي ذَلِكَ عن عائشة، وابن عمر [2] .
وأما حديث الباب فهو مجمل كالآية، وفيه: جواز الأكل من الهدي دون تخصيص نوع منه بالمنع.
وقول جابر: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى) ، فقال النخعي: وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فأبيح للمسلمين الأكل منها [3] ، وإنما منعوا من ذَلِكَ في أول الإسلام من أجل الدافَّة [4] ، فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا.
واختلف في مقدار ما يؤكل منها ويتصدق: فذكر علقمة أن ابن مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويهدي ثلثه [5] ، وروي عن عطاء وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق [6] .
(1) انظر:"البناية"4/ 458،"الاستذكار"12/ 281،"الذخيرة"3/ 360،"البيان"4/ 417،"أسنى المطالب"1/ 534.
(2) انظر:"المغني"5/ 445.
(3) رواه الطبري 9/ 156 (25215) .
(4) الدَّافَّة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد."النهاية في غريب الحديث"2/ 124.
(5) رواه ابن أبي شيبة 3/ 170 (13188) .
(6) وهو قول الشافعي في الجديد، وقوله في القديم: (يأكل النصف ويتصدق بالنصف) لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ} . انظر"البيان"4/ 455،"مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج"1/ 615.