نهي آخر عن الاعتداء على أموال اليتامى عن طريق خلط أموال اليتامى بأموال الأوصياء، و المراد من الأكل: مطلق الانتفاع والتصرف وخص الأكل بالذكر، لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.
والمعنى: ولا تضموا أيها الأوصياء أموال اليتامى إلى أموالكم في الإِنفاق فتأكلوها مع أموالكم، وتسووا بينهما في الانتفاع، لأن أموالكم احل الله لكم أكلها، أما أموال اليامى فقد جرم الله عليكم أكلها.
فالآية الكريمة صريحة في النهي عن خلط مال اليتيم القاصر بمال الوصي عليه بقصد أكله، لأن هذا لون من ألوان الاستيلاء المحرم على أموال اليتامى، كما أنها تتضمن النهي عن خلط مال اليتيم بمال الوصى عليه ولو لم يقصد أكله، لأن هذا الخلط قد يؤدي إلى ضياعه وعدم تميزه فقد يموت الوصى فلا يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدي الأمر إلى أكله وإن لم يكن مقصودا، ولذا قال الفقهاء: إذا مات الوصي على اليتيم مجهلًا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
ولما كان الغالب وجود أموال للأوصياء، وأنهم يريدون من أكل أموال اليتامى التكثير أو توفير أموالهم، جىء بهذا القيد رعاية لهذا الغالب، وليكون ذمهم على جشعهم وضعف دينهم أشد وأشنع حيث أكلوا حقوق اليتامى مع أنهم في غنى عنها بما رزهم الله من أموال.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله:
«فإن قلت» : قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم فلم ورد النهي عن أكله معها؟
قلت: لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من مال حلال - وهم مع ذلك يطمعون فيها - كان القبح أبلغ والذم أحق، ولأنهم كانوا يفعلون ذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم"."