قوله: {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب}
حكاية لإجابة الرسل.
«فإن قيل» : لماذا نفوا عن أنفسهم العلم مع أن عندهم بعض العلم؟
فالجواب على ذلك أن هذا من باب التأديب مع الله تعالى فكأنهم يقولون: لا علم لنا يذكر بجانب علمك المحيط بكل شيء، ونحن وإن كنا قد عرفنا ما أجابنا به أقوامنا، إلا أن معرفتنا هذه لا تتعدى الظواهر، أما علمك أنت - يا ربنا - فشامل للظواهر والبواطن، أو أنهم قالوا ذلك إظهارا للتشكي والالتجاء إلى الله ليحكم بينهم وبين أقوامهم الذين كذبوهم. أو أن مرادهم لا علم لنا بما كان منهم بعد أن فارقناهم وفارقنا من جاء بعدنا من الناس، لأن علمنا مقصور على حال من شاهدناهم وعاصرناهم.
ورحم الله صاحب الكشاف قد حكى هذه الأقوال وغيرها بأسلوبه البليغ فقال:
«فإن قلت» : ما معنى سؤالهم؟
قلت: توبيخ قومهم. كما كان سؤال الموءودة توبيخا للوائد.
«فإن قلت» : كيف يقولون:"لا علم لنا وقد عملوا بما أجيبوا؟"
قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم - أي: بما ابتلوا به منهم - ، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله لهم وتشكى أنبيائه منهم. ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه. فجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي؟
-وهو عالم بما فعل به - يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضًا للأمر إلى علم سلطانه واتكالا عليه، وإظهارا للكشاية وتعظيما لما حل به منه - ولله المثل الأعلى - وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم.
وقيل معناه: علمنا ساقط مع علمك ومغمور، لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم.
وقيل معناه:"لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفي عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجه موبخين".