قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر من إكبار للنبي - صلى الله عليه وسلم وإجلال لمقامه.
ومن ذلك: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفَه والجهلَ بسبب ما أقدموا عليه.
ومن ذلك: التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي يظهر به موضع الاستنكار عليهم.
ومن ذلك: شفُع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المحاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له - صلى الله عليه وسلم - .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} .
أى: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء الحجرات، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب، لكان صبرهم خبرا لهم {والله} تعالى {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: واسع المغفرة والرحمة.
قال صاحب الكشاف: يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال: ما دققت باب عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه.
وقوله: {أَنَّهُمْ صَبَرُواْ} في موضع رفع على الفاعلية، لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم.
«فإن قلت» : هل من فرق بين قوله {حتى تَخْرُجَ} وإلى أن تخرج؟
قلت: إن"حتى"مختصة بالغاية المضروبة، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و"إلى"عامة في كل غاية، فقد أفادت"حتى"بوضعها: أن خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم غاية قد ضرب لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه.
«فإن قلت» : فأي فائدة في قوله {إِلَيْهِمْ} ؟
قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم.