روى سعيد بن منصور عن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:"لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وتكاثرهم، وإلى الله فاستقلهم، فركع ركعتين وقام أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صلاته:"اللهم لا تودع منى اللهم لا تخذلنى، اللهم لا تترنى - أي لا تقطعنى عن أهلى وأنصارى - أولا تنقضى شيئًا من عطائك - اللهم أنشدك ما وعدتنى - أي: أستنجزك وعدك"."
وروى ابن إسحاق في سيرته أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتنى.
«فإن قيل» : إن هذه النصوص يؤخذ منها أن هذه الاستغاثة كانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم فلماذا أسندها القرآن إلى المؤمنين؟
فالجواب: أن المؤمنين كانوا يؤمِّنون على دعائه - صلى الله عليه وسلم - ويتأسون به في الدعاء، إلا ان الروايات ذكرت دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو قائد المؤمنين، وهو الذي يحرص الرواة على نقل دعائه، أكثر من حرصهم على نقل دعاء غيره من أصحابه.
وقيل: إن الضمير في قوله {تَسْتَغِيثُونَ} للرسول - صلى الله عليه وسلم - وجيء به مجموعا على سبيل التعظيم، ويعكر على هذا القبل أن السياق بعد ذلك لا يلتئم معه، لأنه خطاب للمؤمنين بالنعم التي أنعم بها - سبحانه - عليهم.
وعبر - سبحانه - بالمضارع {تَسْتَغِيثُونَ} مع أن استغاثتهم كانت قبل نزول الآية - استحضارا للحال الماضية، حتى يستمروا على شكرهم لله، ولذلك عطف عليه. فاستجاب لكم، بصيغة الماضى مسايرة للواقع.
وكان العطف بالفاء للإِشعار بأن إجابة دعائهم كانت في أعقاب تضرعهم واستغنائهم وهذا من فضل الله عليهم، ورحمته بهم، حيث أجارهم من عدوهم، ونصرهم عليه - مع قلتهم عنه - نصرا مؤزرا.
والسين والتاء في قوله: {تَسْتَغِيثُونَ} للطلب، أي: تطلبون منه الغوث بالنصر.
«فإن قيل» : إن الله تعالى ذكر هنا انه أمدهم بألف من الملائكة، وذكر في سورة آل عمران أنه أمدهم بأكثر من ذلك فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب أن الله تعالى أمد المؤمنين بألف من الملائكة في يوم بدر، كما بين هنا في سورة الأنفال، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف كما قال تعالى في سورة آل عمران: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ. . .}
ثم زاد عددهم مرة أخرى إلى خمسة آلاف، قال تعالى {بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ} وقد صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإِنقاذ العير. . فكان المدد خمسة آلاف.
واختار ابن جرير أنهم وعدوا بالمدد بعد الألف، ولا دلالة في الآيات على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك، ولا على أنهم لم يمدوا، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص.
وهذا بناء على أن المدد الذي وعد الله به المؤمنين في آيات سورة آل عمران كان خاصًا بغزوة بدر.
أما على الرأي القائل بأن هذا المدد الذي بتلك الآيات كان خاصا بغزوة أحد فلا يكون هناك إشكال بين ما جاء في السورتين.
وقد بسط القول في هذه المسألة الإِمام ابن كثير فقال ما ملخصه:
"اختلف المفسرون في هذا الوعد هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين:"
أحدهما: أن قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة} متعلق بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ} وهذا قول الحسن والشعبي والربيع بن أنس وغيرهم. . .
فإن قيل فكيف الجمع بين هذه الآيات - التي في سورة آل عمران وبين قوله في سورة الأنفال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ} .
فالجواب: أن التنصيص على الألف هنا، لا ينافى الثلاثة الآلاف فما فوقها لقوله تعالى {مُرْدِفِينَ} بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف آخر مثلهم.
قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.
والقول الثاني يرى أصحابه أن هذا الوعد - وهو قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة} متعلق بقوله - قبل ذلك - {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} وذلك يوم أحد.
وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحالك، وغيرهم.
لكن قالوا: لم يحصل الإِمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين يومئذ فروا.
وزاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف لقوله - تعالى {بلى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا ملك واحد.