التنكير في قوله {لعبرة} للتفخيم والتهويل.
وقوله تعالى: {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} استئناف بيانى، كأنه قيل: وما وجه العبرة في الأنعام؟
فكان الجواب: نسقيكم مما في بطونه.
قال الآلوسي:"والضمير في {بطونه} يعود للأنعام، وهو اسم جمع، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار معناه. . .".
وقوله - سبحانه -: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} بيان لموطن العبرة ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته ورحمته.
والفرث: الطعام المتبقى في أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث: التفتيت. يقال فرثت كبده. أي: فتتتها.
قال الجمل ما ملخصه:"والفرث: الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش - بفتح الكاف وكسر الراء - فإذا خرجت من الكرش لا تسمى فرثا بل تسمى روثا. وقوله {لبنا} مفعول ثان لنسقيكم، والأول هو الكاف".
والخالص: النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار. يقال خلص الشيء من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه.
والسائغ: اللذيذ الطعم، السهل المدخل إلى الحلق. يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغا، من باب قال - إذا سهل مدخله في الحلق.
أى: نسقيكم من بين الفرث والدم الذي اشتملت عليه بطون الأنعام، {لبنا} نافعا لأبدانكم {خالصا} من رائحة الفرث، ومن لون الدم، مع أنه موجود بينهما {سائغا للشاربين} بحيث يمر في الحلوق بسهولة ويسر، ويشعر شاربه بلذة وارتياح.
وقدم - سبحانه - قوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} على قوله {لبنا} ، لأن خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة، وموضع الدليل الأسمى على قدرة الله تعالى ووحدانيته.
قال صاحب الكشاف: قوله تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} أي: يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله تعالى، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. . . فسبحان الله ما أعظم قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكر وتأمل. وسئل"شقيق"عن الإِخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم.
ثم قال - رحمه الله -:
«فإن قلت» : أي فرق بين"من"الأولى والثانية؟
قلت: الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونها. . . والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذي منه يبتدأ. . .
وإنما قدم قوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم.
وقال الآلوسي عند تفسيره لهذه الآية:"ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، وتسخير القوى المتصرفة فيها. . . اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته، وحكمته، وتناهى رأفته ورحمته:"
حكم حارت البرية فيها ... وحقيق بأنها تحتار
والحق، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته، وعجيب صنعته، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم في بطون الأنعام، لبنا خالصا سائغا للشاربين.