قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف صح وقوع قوله {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض} جوابًا عن قولهم: {فيم كنتم} وكان حق الجواب: كنا في كذا أو لم نكن في شئ؟
قلت معنى"فيم كنتم"التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به، واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء. فبكتتهم الملائكة بقولهم: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} ، أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي تمنعون فيها من إظهار دينكم.
وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة.
ويبدو أن الإِمام الزمخشري كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإِقامة بجوار بيت الله الحرام، فقد قال خلاف تفسيره لها"اللهم إن كنت تعلم أن هجرتى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا في خاتمة الخير، ودرك المرجو من فضلك، والمبتغى من رحمت. وصل جوارى لك بعكوفي عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة."
وقال القرطبي: يفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا.
وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه.