فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 627

قوله تعالى {وَأَرْجُلَكُمْ} وردت فيه قراءتان متواترتان.

إحداهما: بفتح اللام وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص الكسائي ويعقوب.

والثانية: بكسر اللام وهي قراءة الباقين.

أما قراءة النصب فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على قوله {وُجُوهَكُمْ} أو هو منصوب بفعل مقدر أي: وامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.

وأما قراءة الجر فعلى أن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} معطوف على {بِرُؤُوسِكُمْ} .

قال القرطبي ما ملخصه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل"اغسلوا"وبنى على ذلك أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح. وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ما حديث. وقد رأى قوما يتوضئون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته."ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء"ثم إن الله حدهما فقال: {إِلَى الكعبين} كما قال في اليدين {إِلَى المرافق} فدل على وجوب غسلهما.

ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء. فقال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما، وما علمت من رد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم. وتعلق الطبري بقراءة الخفض - أي قال بمسح الرجلين.

ثم قال: وقد قيل: إن قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} بقراءة الخفض - معطوف على اللفظ دون المعنى - أي لفظ الرءوس - وهذا أيضًا يدل على الغسل، فإن المراعي المعنى لا اللفظ وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب. وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال - تعالى - {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} بالجر لأن النحاس هو الدخان.

ثم قال: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين السغل ما قدمناه، وما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم

"ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار"فخوفنا ذكر النار على مخالفة مراد الله. ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب. ومعلوم أن المسح ليس من شأنه الاستيعاب. ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان من قال بالمسح. إذ لا مدخل بطونهما عندهم، وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح.

ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما. وحسبك بهذا احجة في الغسل مع ما بيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح وأن العامل في قوله و {وَأَرْجُلَكُمْ} وقوله {فاغسلوا} والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما. تقول: أكلت الخبز واللبن. أي: وشربت اللبن.

وقد عقد الإِمام ابن كثير فصلا أورد فيه - عند تفسيره لهذه الآية - كثيرًا من الأحاديث التي وردت في غسل الرجلين، وجعل عنوانه:"ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه".

ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين والسنن عن عثمان وعلي وابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه إما مرة، وإما مرتين أو ثلاثًا. على اختلاف رواياتهم.

وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال:"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".

وعن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رِجْلَ رَجل مثل الدرهم لم يغسله فقال:"ويل للأعقاب من النار".

ثم قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة. وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك لما توعد على تركه، لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل. بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف.

ويرى الزمخشري أن قراءة الجر في قوله {وَأَرْجُلَكُمْ} محمولة في المعنى على النصب ويكون السبب في عطفها على الرءوس المجرورة، للإشارة إلى وجوب عدم الإِسراف في الماء. فقد قال:

«فإن قلت» : فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟

قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها: فكانت مظنة للإِسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث المسموح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.

وقد وضح هذا المعنى الشيخ ابن المنير بقوله: لم يوجه الزمخشري قراءة الجر بما يشفي الغليل. والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان من حيث أن كل واحد منهما مساس بالعضو، فيسهل عطف المغسول على الممسوح من ثم، كقوله:"متقلدًا سيفًا ورمحًا".

و"علفتها تبنا وماء باردا".

ونظائره كثيرة.

ثم يقال: ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب؟

وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاص به على الحقيقة؟

فيقال: فائدته الإِيجاز والاختصار.

وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا: واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح، ونبه بهذا التشريك - الذي لا يكون إلا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدًا. على أن الغسل المطلوب في الأرجل غسل خفيف يقارب المسح. وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة وهذا تقرير كامل لهذا المقصود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت