فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 627

(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29)

قوله: {قَاتِلُواْ الذين} أمر منه - سبحانه - للمؤمنين بقتال أهل الكتاب، وبيان للأسباب التي اقتضت هذا الأمر، وهي أنهم:

أولًا: {لاَ يُؤْمِنُونَ بالله} لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيمانًا صحيحًا، لاتبعوا رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ولأن منهم من قال: {عُزَيْرٌ ابن الله} ومنهم من قال: {المسيح ابن الله} وقولهم هذا كفر صريح، لأنه - سبحانه - منزله عما يقولون.

قال تعالى {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} وثانيًا: أنهم"لا يؤمنون باليوم الآخر"على الوجه الذي أمر الله تعالى به، ومن كان كذلك كان إيمانه. على فرض وجوده. كلا إيمان.

قال الجمل ما ملخصه:

«فإن قلت» : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك؟

قلت: إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم فصح نفيه في الآية ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك.

وأيضًا فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين، وذلك لأنهم يعقتدون بعث الأرواح دون الأجساد، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون - أي أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ولا شأن للجسد بذلك.

ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن.

وثالثًا: أنهم {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} أي: لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة، وفضلًا عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم، وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم. أي أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا في شريعتنا ولا في شريعتهم.

فاليهود - بجانب كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم، بدليل أنهم استحلوا أكل أموال الناس بالباطل مع أنها. أي شريعتهم. نهتهم عن ذلك.

قال تعالى {وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل. . .} والنصارى - بجانب كفرهم - أيضًا - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم بدليل أنهم ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك.

قال تعالى {ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ورابعًا: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} وقوله: {يَدِينُونَ} بمعنى يعتقدون ويطيعون. يقال: فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده وأطاع أوامره ونواهيه.

والمراد بدين الحق: دين الإِسلام الناسخ لغيره من الأديان.

أى: أنهم لا يتخذون دين الإِسلام دينًا لهم، مع أنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده، والذي لا يقبل - سبحانه - دينًا سواه. قال تعالى: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا. . .} وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} ويصح أن يكون المراد بدين الحق. ما يشمل دين الإِسلام وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون.

أى: ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه، وشرعها لعباده، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم.

وعبر عنهم في قوله: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ. .} بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال.

أى أن العلة في الأمر بقتالهم، كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق.

وقوله: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى؛ لأن الحديث عنهم، وعن الأسباب التي توجب قتالهم.

والمراد بالكتاب: جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل.

أى: قاتلوا من هذه صفاتهم، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم.

والمقصود بقوله: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال، أو الإِسلام، أو الجزية:

وقوله: {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} غاية لإِنهاء القتال.

أى: قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم.

والجزية: ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهي - كما يقول القرطبي: - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه. فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة، ومن هذا المعنى قول الشاعر:

يجزيك أو يثنى عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

والمراد بإعطائها في قوله: {حتى يُعْطُواْ الجزية} ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك.

واليد هنا: يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد. أي: حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد.

ويحتمل أن تكون كناية و"عن"الدفع نقدًا بدون تأجيل. أي: حتى يعطوها نقدًا بدون تسويف أو تأخير.

ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى، و"عن"بمعنى الباء أي: حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم.

وهذه المعاني لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى. أي: يد الكتابي.

أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهي يد الحاكم المسلم - ففي هذه الحالة يكون معناها القوة والقهر والغلبة.

أى: حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها.

ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: قوله:"عن يد"إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطي حتى يعطوها عن يده، أي عن يد مؤاتيه غير ممتنعة، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده، إذا انقاد وأصحب - أي: سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه.

أو المعنى: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا غير نسيئة، لا مبعوثًا بها على يد أحد، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ.

ومعناه على إرادة يد الآخذ: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهي يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم، وترك أرواحهم لهم، نعمة عظيمة عليهم.

وقوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} من الصغار بمعنى الذل والهوان. يقال: صغر فلان يصغر صغرًا وصغارًا إذا ذل وهان وخضع لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت