فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 627

قال صاحب الكشاف ما ملخصه.

وقوله تعالى {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} معناه: ولقد همت بمخالطته؛"وهم بها"أي: وهم بمخالطتها {لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} جوابه محذوف تقديره؛ لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أنى خفت الله. معناه: لولا أنى خفت الله لقتلته.

«فإن قلت» : كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية؟

قلت:"المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة، ونازعت إليها عن شهوة الشباب، ميلا يشبه الهم به، وكما تقتضيه تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم، وهو يكسر ما به، ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين بوجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته، لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه بأنه من عباده المخلصين"

ومن المفسرين المحدثين الذين ذكروا هذا الرأي الإمام الآلوسي، فقد قال ما ملخصه: قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: بمخالطته. . والمعنى: أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما جازما، لا يلويها عنها صارف بعدما باشرت مباديها. . .

والتأكيد - باللام وقد - لدفع ما يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه.

{وَهَمَّ بِهَا} أي: مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية. . . ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحتل التكليف، وليس المراد أنه قصدها قصدا اختياريا، لأن ذلك أمر مذموم تنادى الآيات بعدم اتصافه به، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر على سبيل المشاكلة لا لشبهه به. . . {لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أي محبته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا، وسوء سبيله.

والمراد برؤيته له: كمال إيقانه به، ومشاهدته له مشاهدة وصلت إلى مرتبة عين اليقين. . .

ومن المفسرين من يرى أن المراد بهما به: الهم بضربه نتيجة عصيانه لأمرها.

وان المراد بهمه بها: الدفاع عن نفسه برد الاعتداء، ولكنه آثر الهرب.

وقد قرر هذا الرأي ودافع عنه وأنكر سواه صاحب المنار، فقد قال ما ملخصه:

{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي: وتالله لقد همت المرأة بالبطش به لعصيانه لأمرها، وهي في نظرها سيدته وهو عبدها، وقد أذلت نفسها له بدعوته الصريحة إلى نفسها، بعد الاحتيال عليه بمراودته عن نفسه. . . فخرجت بذلك عن طبع أنوثتها في التمنع. . مما جعلها تحاول البطش به بعد أن أذل كرامتها، وهو انتقام معهود من مثلها، وممن دونها في كل زمان ومكان.

وكاد يرد صيالها ويدفعه بمثله، وهو قوله تعالى {وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ولكنه رأى من برهان ربه في سريرة نفسه، ما هو مصداق قوله تعالى {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ} وهو إما النبوة. . . وإما معجزتها. . وإما مقدمتها من مقام الصديقية العليا، وهي مراقبته لله تعالى ورؤيته ربه متجليا له، ناظرا إليه.

وما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم منها بالبطش بيوسف، وتفسير الهم منه برد الاعتداء الذي وقع عليه منها. . .

أقول: ما ذهب إليه صاحب المنار من تفسير الهم بذلك، لا أرى دليلا عليه من الآية، لا عن طريق الإِشارة، ولا عن طريق العبارة. . .

ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قدهم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإِبعاد، لأن خطور المناهى في الأذهان، لا مؤاخذة عليها، ما دامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل.

هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين في معنى الآية الكريمة، رأينا أن نضرب عنها صفحا؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من اللغة. . . وإنما هي من الأوهام الإِسرائيلية التي تتنافى كل التنافي مع أخلاق عباد الله المخلصين، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت