فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 627

بيان للمهلة التي منحها - سبحانه - للمشركين ليدبروا فيها أمرهم.

والسياحة في الأصل: جريان الماء وانبساطه على موجب طبيعته، ثم استعملت في الضرب في الأرض والاتساع في السير والتجوال.

والخطاب للمؤمنين على تقدير القول. أي: فقولوا أيها المؤمنون للمشركين سيحوا في الأرض أربعة أشهر.

ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين أنفسهم الالتفات من الغيبة إلى الحضور، لقصد تهيئة خطابهم بالوعيد المذكور بعد ذلك في قوله - - سبحانه - {واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله} .

والمقصد بالأمر في قوله: {فَسِيحُواْ} الإِباحة والإِعلام بحصول الأمان لهم في تلك المدة من أن يقتلوا أو يقاتلوا أو يعتدى عليهم. . .

والمعنى: قولوا أيها المسلمون للمشركين - بعد هذه البراءة منهم، سيحوا في الأرض، أي: سيروا فيها مقبلين ومدبرين حيث شئتم وأنتم آمنون في هذه المدة.

وفي التعبير بقوله {فَسِيحُواْ} من الدلالة على كمال التوسعة، ما ليس في قوله {سيروا} أو ما يشبهه، لأن لفظ السياحة يدل على الاتساع في السير والبعد عن المدن، وعن موضع العمارة.

والحكمة في إعطائهم هذه المدة تمكينهم من النظر في أمر أنفسهم حتى يختاروا ما فيه مصلحتهم، ويعلموا أنهم ليس أمامهم بعد هذه المدة إلا الإِسلام أو السيف، ولكى لا ينسب إلى المسلمين الغدر وينبذ العهد دون إعلام أو إنذار.

وهذا من سمو تعاليم الإِسلام. تلك التعاليم التي لم تبح لأتباعها أن يأخذوا أعدى أعدائكم على غرة، بل منحت هؤلاء الأعداء مهلة كافية يدبرون فيها أمر أنفسهم وهم آمنون من أن يتعرض لهم أحد من المسلمين بأذى.

ومتى كان ذلك؟

كان ذلك في الوقت الذي نقض فيه المشركون عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم، وفي الوقت الذي أرجف فيه المرجفون أن المسلمين لن يعودوا من تبوك سالمين، بل إن الروم سيأخذونهم أسرى، وفي الوقت الذي كانت المجتمعات فيه يغزو بعضها بعضا بدون إنذار أو إعلام. .

«فإن قيل» : وما الحكمة في تقدير هذه المهلة بأربعة أشهر؟

فالجواب - كما يقول الجمل - اقتصر على الأربعة - هنا لقوة المسلمين إذ ذاك، بخلاف صلح الحديبية فإنه كان لمدة عشرة سنين لضعف المسلمين إذا ذاك، والحاصل أن المقرر في الفروع أنه إذا كان بالمسلمين ضعف جاز عقد الهدنة عشر سنين فأقل، وإذا لم يكن بهم ضعف لم تجز الزيادة على أربعة أشهر.

وقال بعض العلماء: ولعل الحكمة في تقدير تلك المدة بأربعة أشهر، أنها هي المدة التي كانت تكفى - إذ ذاك بحسب ما يألفون - لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض، والتقلب في شبه الجزيرة على وجه يمكنهم من التشاور والأخذ والرد مع كل من يريدون أخذ رأيه في تكوين الرأي الأخير، وفيه فوق ذلك مسايرة للوضع الإلهى في جعل الأشهر الحرم من شهور السنة أربعة.

على أنا نجد في القرآن جعل الأربعة أمدا في غير هذا فمدة إيلاء الرجل من زوجه أربعة أشهر - وعدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.

ولعل ذلك - وراء ما يعلم الله - أنها المدة التي تكفى بحسب طبيعة الإِنسان لتقليب وجوه النظر فيما يحتاج إلى النظر، وتبدل الأحوال على وجه تستقر فيه إلى ما يقصد فيه.

ويؤخذ من تقرير الهدنة للأعداء في هذا المقام تقرر مبدأ الهدنة والصلح في الإِسلام، طلبها العدو أم تقدم بها المسلمون، وأصل ذلك مع هدنة المشركين هذه قوله تعالى في سورة الأنفال {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} وأن مدتها تكون على حسب ما يرى الإِمام وأرباب الشورى المقررة في قوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت