(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا(140)
قوله {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} جملتان في موضع الحال من الآيات.
وأضاف - سبحانه - الآيات إليه، لتهويل أمرها، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها. والضمير في قوله {مَعَهُمْ} يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ} فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها.
والضمير في قوله {غَيْرِهِ} يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أي: حتى يخوضوا في حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها.
وقوله {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} تعليل للنهي عن القعود معهم.
أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تالى - والاستهزاء بها، كنتم معهم في الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم في آثامهم، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها. يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى -.
قال صاحب الكشاف،
«فإن قلت» : لم يكونوا مثلهم بالمجالسة في وقت الخوض؟
قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضى بالكفر كافر
«فإن قلت» : فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟
قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم. وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم.
وقال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم، والرضا بالكفر كفر. قال الله - تعالى - {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} . فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء. وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم. فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} أي أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة.