قال صاحب الكشاف: قوله {أَفإِنْ مَّاتَ} الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به يجب أن يجعل سببًا للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه.
قإن: قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟
قلت: لكونه مجوزا عند المخاطبين.
«فإن قلت» : أما علموه من ناحية قوله: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة"."
وفي قوله {انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ} تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه.
فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هي التي تقوده إلى الخلق، وهو في حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإنسان.
وقوله {وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا} الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله - تعالى - لا يضره كفر الكافرين.
أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئًا من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرمانها من الأجر والثواب.
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر، وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبي - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال - تعالى -
{وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور} فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون في غزوة أحد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل.
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر في قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا في جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضي الله عنه - ، فقد ورى البخارى عن أنس - رضي الله عنه - قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - . وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين - .
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر إنى لأجد ريحها من دون أحد.
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.
قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ} كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هي الخالده الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئًا.