فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 627

والمراد بأعمالهم هنا: الأعمال الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا كالإحسان إلى الفقراء، وصلة الأرحام وما يشبه ذلك.

والسراب: هو الشعاع الذي يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء. ويكون ذلك في وسط النهار عند اشتداد الحر، في الأماكن الواسعة، وسمي سرابا لأنه يرى من بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء، مع أنه ليس بماء ولا غيره.

والباء في قوله {بِقِيعَةٍ} بمعنى في. والقيعة: جمع قاع وهو ما انبسط واتسع من الأرض. دون أن يكون فيه زرع، وفوقه يتراءى السراب. والجار والمجرور متعلق بمحذوف، صفة للسراب.

أى: والذين كفروا بالحق لما جاءهم: أعمالهم الصالحة في الدنيا التي يتوقعون الخير من ورائها، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة، كسراب كائن في صحراء واسعة،"يحسبه الظمآن ماء".

أى: يظن الشخص الذي اشتد به العطش أنه ماء.

وخص - سبحانه - هذا الحسبان بالظمآن، مع أن كل من يراه يظنه ماء لأن هذا الذي اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره، فالتشبيه به أتم وأكمل.

و"حتى"في قوله - سبحانه: {حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} غاية لمحذوف، والتقدير: هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه، حتى إذا ما وصل إليه، لم يجد ما حسبه ماء وعلق عليه آماله شيئا أصلا، لا ماء ولا غيره.

فأنت ترى أن الله تعالى قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر في الدنيا، التي يظنونها نافعة لهم - شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها بسراب يحسبه الظمآن ماء، فيذهب إليه ليروى عطشه، فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئا، فيخيب أمله، وتشتد حسرته.

قال الإمام الرازي:

«فإن قيل» : قوله:"حتى إذا جاءه"يدل على كونه شيئا، وقوله:"لم يجده شيئا"مناقض له؟

قلنا: الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجد شيئا نافعا، كما يقال: فلان ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أي: جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه. الثالث: الكناية للسراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت