قال القرطبي:
قوله تعالى: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول. . .} أي: ألقت إليهم الآلهة القول، أي: نطقت بتكذيب من عبدها. بأنها لم تكن آلهة، ولا أمرتهم بعبادتها، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار.
وقال الجمل:
«فإن قلت» : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنها في قوله تعالى في سورة الكهف: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ. .} فالجواب: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها، والمنفى عنهم في الكهف النطق بالإِجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافى.
والتعبير بقوله تعالى: {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول. . .} يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء في قوله {فألقوا} واشتملت جملة {إنكم لكاذبون} على جملة من المؤكدات، لإِفحام المشركين، وتكذيبهم في قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل.
ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} .
أى: وألقى المشركون يوم القيامة {السلم} أي: الاستسلام والخضوع والانقياد، لقضاء الله تعالى العادل فيهم، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه في الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم، أو ستنفعهم يوم القيامة.
وقيل: إن الضمير في قوله تعالى {وألقوا} يعود على المشركين وشركائهم. أي. استسلم العابدون والمعبدون وانقادوا لحكم الله الواحد القهار فيهم.